بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٦ - المختار في باب المعاني الحرفية
و متصوّر، لما كان معنى للإضراب في عالم الخارج. فالنسبة الإضرابية ليس لها وعاء في الخارج، و هذه النسبة الثانوية المدلول عليها بحرف الإضراب، هي نسبة واقعية ذهنية، لا نسبة تحليلية. ففي قولنا: (جاء زيد بل عمر)، يختلف عن قولنا: (النار في الموقد). فهنا ليس في ذهننا وجود واحد هو وجود لزيد و لعمر معا، بل وجودان ذهنيان متغايران: وجود ذهني للمضرب عنه و هو زيد، و وجود ذهني آخر للمضرب إليه و هو عمر، و بين الوجودين الذهنيين تقوم نسبة فنائية اندكاكية، و هي النسبة الإضرابية.
و لا يأتي البرهان المذكور، لأن النسبة الإضرابية قائمة في الذهن مع فرض طرفين وجوديين متغايرين، بحيث يمكن إنشاء الربط بينهما، لأن حاق النسبة، هو عالم الذهن، فهو موطنها. فهي تحصل بين الصور الذهنية بما هي حاكية عن الخارج، و هذا بخلاف النسبة الظرفية، و المكانية، فإنه يستحيل قيامهما بين الصورتين الذهنيتين، لا بما هما هما، و لا بما هما حاكيتان، لأن الصور الذهنية أعراض، و يستحيل قيام النسبة المكانية بين عرضين.
إذن فالمختار في باب المعاني الحرفية: إنّ القسم الأول، و هو النسب الأولية التي أصل موطنها هو الخارج، يتعين فيه أن يكون مفاد الحروف النسب التحليلية، لا النسب الواقعية الذهنية.
و إنّ القسم الثاني و هو النسب الثانوية التي، أصل موطنها هو عالم الذهن، يتعين فيه أن يكون مفاد الحروف النسب الواقعية الذهنية.