شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٩٩
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَ نُسْقِيَهُ [الفرقان، ٤٩] أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [القيامة، ٤٠] لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ [المجادلة، ١٧].
[الثاني: الجزم بحذف الآخر]
الثاني: الجزم بحذف الآخر، نحو «لم يدع» و «لم يرم» قال اللّه تعالى: وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء، ٣٦] وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ [القصص، ٧٧] وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً [الإسراء، ٣٧ و لقمان، ١٨] و انتصاب (مرحا) على الحال، أي: ذا مرح [١]، و قرئ: (مرحا) بكسر الراء.
[حد البناء]
ثم قلت: باب- البناء [٢] ضدّ الإعراب، و المبنيّ إما أن يطّرد فيه السّكون
[١] المرح- بفتح الميم و الراء جميعا- مصدر في
الأصل، و هو مثل الفرح في الوزن و المعني، و قول المؤلف «أي ذا مرح» المقصود به تأويل وقوع المصدر حالا، و للعلماء فيه ثلاثة
تأويلات، أولها: أنه على حذف مضاف يكون في معنى المشتق، و هذا هو الذي أشار إليه
المؤلف، فإذا قلت: طلع زيد بغتة، و جاءنا ركضا؛ فهو على تقدير: طلع ذا بغتة. و جاءنا ذا ركض، أي: صاحب بغتة و صاحب ركض؛ و التأويل
الثاني: أن تجعل المصدر نفسه بمعنى المشتق، فيكون قولهم «طلع زيد بغتة» بمعنى طلع مباغتا، و يكون قولهم «جاء زيد ركضا» بمعنى جاء راكضا، و التأويل الثالث: أن يبقى المصدر على
معناه الأصلي، و لا يكون ثمة مضاف مقدر و القصد المبالغة، و مراد المتكلم أن يبالغ
في زيد حتى يجعله نفس البغتة، و نفس الركض، و نفس المرح، و السر في هذا كله أن
الأصل في الحال أن يكون مشتقا لكونه وصفا لصاحبه، و الوصف إنما يكون بالمشتق، و مثل
هذه التأويلات يجري في وقوع المصدر خبرا، من نحو قولهم: زيد عدل، و خالد رضا، و
منه قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً و كذلك تجري هذه
التأويلات في وقوع المصدر نعتا.
[٢] البناء في اللغة: وضع شيء على شيء على وجه
يقتضي الثبوت و الدوام، و هو في اصطلاح النحاة ما ذكره المؤلف في الشرح بقوله: «لزوم آخر الكلمة .. إلخ» و هنا
سؤالان: أولهما أن يقال: أينحصر الاسم في هذين النوعين المعرب و المبني فلا
يخرج عنهما أبدا أم لا ينحصر فيهما فيكون ثمة اسم لا هو معرب و لا هو مبني؟ و
الجواب عن هذا السؤال أن نعرفك أن مذهب جمهور النحاة بصريهم و كوفيهم: أن الاسم لا
يكون إلا واحدا من هذين النوعين، فكل ما ليس بمعرب مبني، و كل ما ليس بمبني معرب. و ذهب بعض النحاة إلى أن الاسم ثلاثة أنواع: معرب و مبني، و ما ليس
معربا و لا مبنيّا، و سمى هذا النوع الثالث «خصيا» و
مثل له بالاسم المضاف إلى ياء المتكلم نحو غلامي و كتابي و صديقي، زعم أنه ليس
معربا لأنه لزم حركة واحدة، و ليس مبنيّا لأنه لم يشبه الحرف. و أجيب عن هذا: بأنه معرب، و الحركات مقدرة على ما قبل ياء
المتكلم، و هذا هو ما اختاره المؤلف تبعا لمذهب الجمهور، و قد تقدم كلامه فيه
(انظر ص ٩٤ السابقة).