شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٩١
مضارع اتصل به ألف اثنين، أو واو جماعة، أو ياء مخاطبة.
و حكمها أن ترفع بثبوت النون نيابة عن الضمة، و تنصب و تجزم بحذفها نيابة عن الفتحة و السكون، مثال الرفع قوله تعالى: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ [الرحمن، ٥] وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة، ٢٢] وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ [البقرة، ٨٤] وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ [الأعراف، ٩٥] فالمضارع في ذلك كله مرفوع؛ لخلوه عن الناصب و الجازم، و علامة رفعه ثبوت النون، و مثال الجزم و النصب قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا [البقرة، ٢٤] ف (لَمْ تَفْعَلُوا) جازم و مجزوم، و (لَنْ تَفْعَلُوا) ناصب و منصوب، و علامة الجزم و النصب فيهما حذف النون.
فإن قلت: فما تصنع في قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ [البقرة، ٢٣٧] فإن «أن» ناصبة، و النون ثابتة معه؟
قلت: ليست الواو هنا واو الجماعة، و إنما هي لام الكلمة التي في قولك «زيد يعفو» و ليست النون هنا نون الرفع، و إنما هي اسم مضمر عائد على المطلقات، مثلها في وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة، ٢٢٨] و الفعل مبنيّ لاتصاله بنون النسوة، و وزن يعفون على هذا يفعلن، كما أنك إذا قلت «النسوة يخرجن» أو «يكتبن» كان ذلك وزنه، و أما إذا قلت «الرّجال يعفون» فالواو واو الجماعة، و النون علامة الرفع، و الأصل يعفوون، بواوين أولاهما لام الكلمة و الثانية واو الجماعة، فاستثقلت الضمة على واو قبلها ضمة و بعدها واو ساكنة- و هي الواو الأولى- فحذفت الضمة فالتقى ساكنان، و هما الواوان، فحذفت الأولى، و إنما خصّت بالحذف دون الثانية لثلاثة أمور:
أحدها: أن الأولى جزء [كلمة] و الثانية كلمة، و حذف جزء أسهل من حذف كلّ.
و الثاني: أن الأولى آخر الفعل، و الحذف بالأواخر أولى.
و الثالث: أن الأولى لا تدلّ على معنى و الثانية دالة على معنى، و حذف ما لا يدلّ أولى من حذف ما يدلّ.