شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣٢٣
استئنافه يقدر مبنيّا على مبتدأ محذوف؛ فيجب الرفع أيضا؛ لخلوّ الفعل عن الناصب و الجازم؛ فتقول: «ما تأتيني فأكرمك» بمعنى فأنا أكرمك لكونك لم تأتني، و ذلك إذا كنت كارها لإتيانه، و يوضّح هذا أنك تقول: «ما زيد قاسيا فيعطف على عبده» أي: فهو لانتفاء القسوة عنه يعطف على عبده.
و الفرق بين هذا الوجه و الذي قبله واضح؛ لأن الوجه الأول شمل النفي فيه ما قبل الفاء و ما بعدها، و هذا الوجه انصبّ النفي فيه إلى ما قبل الفاء خاصة دون ما بعدها، و ذلك لأنك لم تجعل الفاء لعطف الفعل الذي بعدها على المنفي الذي قبله فيكون شريكه في النفي، و إنما أخلصتها للسببية.
و يذكر النحويون هذين الوجهين في قولك «ما تأتينا فتحدثنا» و هذا سهو؛ إذ يستحيل أن ينتفي الإتيان و يوجد الحديث، و الصواب ما مثلت لك به.
الثالث: أن تقدر الفاء عاطفة لعطف مصدر الفعل الذي بعدها على المصدر المؤول مما قبلها، و تقدر النفي منصبّا على المعطوف دون المعطوف عليه؛ فيجب حينئذ النصب بأن مضمرة وجوبا، و التقدير: ما يكون منك إتيان فإكرام مني، أي: ما يكون منك إتيان فيعقبه مني إكرام، بل يكون منك إتيان و لا يكون مني إكرام.
الرابع: أن تقدر أيضا الفاء لعطف مصدر الفعل الذي بعدها على المصدر المؤول مما قبلها، و لكن تقدر النفي منصبّا على المعطوف عليه، فينتفي المعطوف لأنه مسبّب عنه، و قد انتفى، و يكون معنى الكلام: ما يكون منك إتيان فكيف يكون مني إكرام؟
و هذان الوجهان سائغان في «ما تأتينا فتحدثنا» إذ يصح أن يقال: ما تأتينا محدّثا بل تأتينا غير محدث، و أن يقال: ما تأتينا فكيف تحدثنا؟
و تلخص أن لنا في الرفع وجهين، و في النصب وجهين.
فإن قلت: هل يجوز أن يقرأ: وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات، ٣٦] بالنصب على أحد الوجهين المذكورين للنصب؟
[١] في هذه العبارة نوع قلق، و لو قال: «عاطفة لمصدر الفعل الذي بعدها» كما قال في الوجه الرابع لكان ذلك خيرا مما قاله هنا.