شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٠٦
لما بينهما من المناسبة، و إن كان الصباح و المساء لا يجتمعان، و نظيره في الإضافة قوله تعالى: لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [النازعات، ٤٦] فأضيف الضّحى إلى ضمير العشية، و قيل: الأصل أو ضحى يومها، ثم حذف المضاف، و لا حاجة إلى هذا.
و تقول: «فلان يأتينا يوم يوم» أي يوما فيوما: أي كلّ يوم، قال الشاعر:
اللّغة: «يصرف» يحول، و المراد ألا يستمع لوشاياتهم، و رواية الديوان «و من لا يفثأ» بفاء ثم ثاء مثلثة ثم همزة، و أصل معناه: يكسر حدتهم، و يردهم عما يريدون منه، و تقول: فثأت القدر، إذا أخرجت الوقود من تحتها و صببت عليها ماء تسكن بذلك غليانها، «الواشين» جمع واش، و هو الكاذب الذي يفسد ما بين المتحابين بما يلفقه و يفتريه، و أصل هذه المادة قولهم «و شيت الثوب» إذا زخرفته، و ذلك لأن الواشي يزخرف ما يذكره من القول لينطلي على سامعه، «يبغوه» يريد يقصدوه و يطلبوا له، «خبالا» الخبال هو الجنون أو الإفساد، و في رواية الديوان «يبغوه الخبالا».
المعنى: يقول: إن من لا يباعد الوشاة عن نفسه كل لحظة لا يسلم من ضررهم، لأنهم يقصدونه بالشر و يوقعونه في الفساد.
الإعراب: «من» اسم شرط جازم يجزم فعلين الأول فعل الشرط و الثاني جوابه و جزاؤه، و هو مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، «لا» نافية، «يصرف» فعل مضارع فعل الشرط، مجزوم بمن، و علامة جزمه السكون، و حرك بالكسر لأجل التخلص من التقاء الساكنين، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من، «الواشين» مفعول به ليصرف، منصوب بالياء نيابة عن الفتحة لأنه جمع مذكر سالم، «عنه» جار و مجرور متعلق بيصرف، «صباح مساء» ظرف زمان متعلق بيصرف، مبني على فتح الجزأين في محل نصب، «يبغوه» يبغوا: فعل مضارع جواب الشرط، مجزوم و علامة جزمه حذف النون، و واو الجماعة فاعله، و الهاء ضمير الغائب العائد إلى من مفعول به أول ليبغوا مبني على الضم في محل نصب، «خبالا» مفعول ثان ليبغوا، و خبر المبتدأ الذي هو اسم الشرط قيل: هو جملة الشرط وحدها، و قيل: هو جملة الجواب وحدها، و قيل: هو الجملتان معا، و هذا الأخير هو الذي نذهب إليه و نرجحه و إن كان العلماء قد رجحوا خلافه.
الشّاهد فيه: قوله «صباح مساء» حيث ركب الظرفين معا، و جعلهما بمنزلة كلمة واحدة، فتضمنا معنى حرف العطف؛ فأشبها في ذلك أحد عشر و أخواته، و لما كان المشبه به- و هو أحد عشر- مبنيّا على فتح الجزأين أعطى المشبه- و هو الظرفان المركبان- حكمه، و لذلك بناهما على فتح الجزأين.