شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٣٧
روى هذا البيت بفتح «أمس» على أنه ظرف معرب لدخول أل عليه، و يروى أيضا بالكسر، و توجيهه: إما على البناء، و تقدير «أل» زائدة، أو على الإعراب على أنه قدّر دخول «في» على اليوم، ثم عطف عليه عطف التوهم.
و قال اللّه تعالى: فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس، ٢٤] الكسرة فيه كسرة إعراب لوجود أل، و في الآية إيجاز و مجاز، و تقديرهما فجعلنا زرعها في استئصاله كالزرع المحصود فكأن زرعها لم يلبث بالأمس، فحذف مضافان و اسم كأن، و موصوف اسم المفعول، و أقيم فعيل مقام مفعول، لأنه أبلغ منه، و لهذا لا يقال لمن جرح في أنملته «جريح» و يقال له: مجروح [١].
ثم قلت: أو الضّمّ و هو: ما قطع لفظا لا معنى عن الإضافة من الظروف المبهمة كقبل و بعد و أوّل، و أسماء الجهات، و ألحق بها «عل» المعرفة، و لا تضاف، و «غير» إذا حذف ما تضاف إليه و ذلك بعد ليس، ك «قبضت عشرة ليس غير» فيمن ضمّ و لم ينوّن، و «أىّ» الموصولة إذا أضيفت و كان صدر صلتها ضميرا محذوفا، نحو: أَيُّهُمْ أَشَدُّ و بعضهم يعربها مطلقا.
[الباب السادس من المبنيات المبني على الضم أربعة أنواع:]
و أقول: الباب السادس من المبنيات: ما لزم الضّمّ، و هو أربعة أنواع:
[النوع الأول: الظروف المبهمة المنقطعة عن الإضافة لفظا لا معنى]
النوع الأول: ما قطع عن الإضافة لفظا لا معنى من الظروف المبهمة، كقبل و بعد و أول، و أسماء الجهات نحو: قدّام و أمام و خلف، و أخواتها، كقوله تعالى:
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ [الروم، الآية ٤] في قراءة السبعة بالضم، و قدّره ابن يعيش على أن الأصل من قبل كل شيء و من بعده، انتهى، و هذا المعنى حق، إلا أن الأنسب للمقام أن يقدر [من قبل الغلب و] من بعده، فحذف المضاف إليه لفظا
[١] أصل الكلام: فجعلنا زرعها كالزرع المحصود
فكأن زرعها لم يلبث- أي لم يوجد بالأمس، فحدث في الكلام إيجاز- أي اختصار، و هذا
الاختصار قد حدث بحذف أربعة أشياء: الأول المضاف الذي هو زرع في قولنا «فجعلنا زرعها» فصار «فجعلناها» الثاني المضاف إليه الذي
هو زرع في قولنا «فكأن زرعها» و الثالث هو اسم
كأن؛ لأن اسم كأن في الآية الكريمة ضمير الشأن، و الرابع الموصوف و هو الزرع في
قولنا «كالزرع المحصود»، فيصير تقدير
الكلام بعد ذلك: فجعلناها محصودا، فحدث مجاز بثلاثة أشياء: بوضع حصيد موضع محصود
لقصد المبالغة؛ لأن دلالة فعيل أقوى من دلالة مفعول، و بإيقاع حصيد على الأرض و من
حقه أن يوقع على الزرع، و بإسناد «تغن» إلى
ضمير الأرض و من حقه أن يسند للزرع أيضا.