شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٩٣
و الجملة التي هي «تحسب» و ما بعدها في موضع رفع خبر المبتدأ، و العائد على المبتدأ الهاء المتصلة بأنّ، و إنما يصف الشاعر بقرة وحش بالتبلّد و أنها لا تدري على أي شيء تقدم، و لا بدّ من تقدير واو حال قبل «كلا» فكأنه قال: فغدت هذه اللّغة: «عفت» درست و ذهبت معالمها، و هو هنا لازم، و قد يأتي متعديا، «الديار» جمع دار، «محلها» هو بدل من الديار، و هو موضع حلول أهليها: أي نزولهم و سكناهم، «فمقامها» بضم الميم- موضع إقامتهم، «تأبد» توحش، «غولها» قيل: هو جبل، و قيل: هو اسم ماء معروف عندهم، «فعدت» يروى بالغين المعجمة- من الغدو. و يروى بالعين المهملة من العدو، و هو شدة الجري، «الفرجين» مثنى فرج، و هو الثغرة في الجبل، «مولى المخافة» أي الموضع الذي فيه المخافة: أي الخوف.
المعنى: يصف بقرة من بقر الوحش سمعت صوت الصيادين فأخذت تعدو في الجبل، و هي كلما ذهبت إلى طريق حسبت أنه المكان الذي تجد فيه الصيادين، سواء في ذلك الطريق الذي أمامها و الطريق خلفها.
الإعراب: «فغدت» الفاء حرف عطف، غدا: فعل ماض، و التاء علامة التأنيث، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى بقرة الوحش، «كلا» مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، و كلا مضاف و «الفرجين» مضاف إليه، «تحسب» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي يعود إلى البقرة أيضا، «أنه» أن: حرف توكيد و نصب، و الهاء ضمير الغائب العائد إلى كلا الفرجين اسم أن، «مولى» خبر أن مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر، و مولى مضاف و «المخافة» مضاف إليه، و أن و اسمها و خبرها في محل نصب سدت مسد مفعولي تحسب، و جملة تحسب مع فاعله و مفعوليه في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو كلا، و جملة المبتدأ و الخبر في محل نصب حال على تقدير الواو، «خلفها» خلف:
بدل من كلا، و بدل المرفوع مرفوع، و علامة رفعه الضمة الظاهرة، و خلف مضاف و الضمير الذي للغائبة العائد إلى البقرة مضاف إليه، «و أمامها» الواو عاطفة؛ أمام: معطوف على خلف، و المعطوف على المرفوع مرفوع، و علامة رفعه الضمة الظاهرة، و أمام مضاف و الضمير الذي للغائبة مضاف إليه أيضا، و في هذا البيت أعاريب أخرى كثيرة أضربنا عنها صفحا؛ لأنها لا تخلو من تكلفات بعيدة.
الشّاهد فيه: قوله «أمامها» فإن الرواية قد وردت برفعه؛ بدليل أن هذه القصيدة ميمية مرفوعة القوافي، و رفعه على أنه معطوف على خلفها الذي هو بدل من «كلا» الذي هو مبتدأ على ما علمت في إعراب البيت؛ فدل ذلك على أن «أمام» من الظروف المتصرفة: أي التي تخرج عن النصب على الظرفية و عن الجر بمن، إلى التأثر بالعوامل؛ فتكون أحيانا مرفوعة بعامل من العوامل التي تقتضي الرفع كما هنا، و نحو ذلك.