شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٨
و الكفاءة و النزاهة و الصرامة في الحق، و لا يلوينك عن الحقيقة جاهل أو مكابر يبطر الحق فيوهمنّك أن عزوفه عن المناصب كان اتقاء لبطش السلطان؛ فلم يكن لمثله أن ينأى عن الميدان و قد توافرت له العدة و العتاد، و إنما كانت له شروط لقبول المنصب، تنطوي على إصلاح لحال الأزهر، و إحلال علمائه المكانة اللائقة بهم، و كانت السلطة الحاكمة تدخر للأزهر و علمائه مآلات أخرى، و حسبك من هذا التاريخ- غير البعيد- تلك العبارات المقتضبة التي لا يتسع المقال لما يفوقها بسطا، و حسبك أن تستشف رأيه فيما شابه ذلك من أمور من إحدى الترجمات التي أعدّها عن واحد من سلف الأمة الصالح، و هاك طرفا من مقاله عن الإمام العلامة ابن قيّم الجوزية:
«سبحانك ربي! ما أجلّ حكمتك! و ما أبدع تدبيرك! من كان يظن أن ابن القيّم الذي قضى حياته كلها مضطهدا، معذب القلب، مؤرق الجفن، لا لشيء غير النصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم، يصبح بعد أن تمضي ستة قرون، و هو من أول من يتنافس الناس في بعث مؤلفاته و قراءتها و تحصيلها، من كان يظن ذلك و قد كان الناس إلى عهد قريب جدّا يتهمون من يذكر اسم ابن القيّم و اسم شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية بالمروق و الزندقة و الإلحاد و ما أشبه هذه الأوصاف؟ و إنما يتعزى أصحاب ابن القيّم عما لقيه من الهضيمة و العنت في حياته، بأن ذلك كله لم يثنه عما رسمه لنفسه، و لم يعقه عن السير في طريقه، فلا يتوهمنّ متوهم أنه لو لقي من إقبال الخاصة و العامة ما هو خليق به و بأمثاله، لكان له إنتاج فوق ما صنعه أو أكثر مما صنعه، فما كان الجحود و نكران الحق على مستحقيه بعائق لذوي المبادئ القويمة عن أن يسيروا قدما إلى ما يهدفون، ذلك لأنهم لم يفكروا في الناس، و إنما فكروا للناس و لصالح الناس، و علموا أن المثوبة من لدن العليم الخبير».
و لقد كانت ثمّ قضايا ثلاث تمحور حولها جهاده، و تبلورت من خلالها ألمعيته و إنجازاته، و هي قضايا: اللغة العربية، و التراث، و الأزهر، و القضايا الثلاث تلتقي في أمور عدة؛ فإن افترقت فهي تلتقي بعد عنده؛ فإن بحثت في أمور العربية ألفيته إمامها- غير منازع- و المنافح الأول عنها، و إن تطرقت إلى التراث فهو رائد بعثه و إحيائه و إن شغلت بهمّ من هموم الأزهر وجدته أكثر اهتماما به، و وجدت عنده الدواء الذي