شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣٢٢
فضرورة، و قيل، الأصل فأستريحن، بنون التوكيد الخفيفة، فأبدلت في الوقف ألفا كما تقف على لَنَسْفَعاً [العلق، ١٥] بالألف، و هذا التخريج هروب من ضرورة إلى ضرورة؛ فإن توكيد الفعل في غير الطلب و الشرط و القسم ضرورة.
و قولنا «طلب» يشمل: الأمر، و النهي، و الدعاء، و العرض، و التّحضيض، و التمني، و الاستفهام؛ فهذه سبعة مع النفي صارت ثمانية.
و هذه المسألة التي يعبر عنها بمسألة الأجوبة الثمانية، و لكل منها نصيب من القول يخصه، فلنتكلم على ذلك بما يكشف إشكاله فنقول:
أمّا النفي فنحو قولك: «ما تأتيني فأكرمك»: و لك في هذا أربعة أوجه:
أحدها: أن تقدر الفاء لمجرد عطف لفظ الفعل على لفظ ما قبلها، فيكون شريكه في إعرابه، فيجب هنا الرفع؛ لأن الفعل الذي قبلها مرفوع، و المعطوف شريك المعطوف عليه، فكأنك قلت: ما تأتيني فما أكرمك؛ فهو شريكه في النفي الداخل عليه، و على هذا قوله تعالى: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ* وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات، ٣٥ و ٣٦]، فالفاء هنا عاطفة كما ذكرنا، و الفعل الذي بعدها داخل في سلك النفي السابق، فكأنه قيل: لا يؤذن لهم فلا يعتذرون.
الثاني: أن تقدر الفاء لمجرد السببية، و يقدر الفعل الذي بعدها مستأنفا، و مع الشّاهد فيه: قوله «فأستريحا» حيث نصب الفعل المضارع، الذي هو أستريح، بعد فاء السببية، مع أنها ليست مسبوقة بطلب أو نفي، و ذلك ضرورة من الضرورات التي لا تقع إلا في الشعر على سبيل الندرة.
و قد زعم بعض العلماء أن قوله «أستريحا» فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفا لأجل الوقف، و قد ذكر المؤلف هذا التخريج و أنكره و ذكر علة إنكاره، فتدبر ذلك و اللّه يرشدك.
و ذكر الأعلم أنه يروى «لأستريحا» بلام التعليل، و لا ضرورة فيه حينئذ.
[١] قد جمع بعضهم هذه الثمانية في بيت من الشعر، فقال:
مر، وادع، و انه، و سل، و اعرض، لحضهم
تمن، و ارج، كذاك النفي، قد كملا