شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٤٥٣
فالأول نحو: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ [الزخرف، ١٦] أي: بل أتّخذ بهمزة مفتوحة مقطوعة للاستفهام الإنكاري، و لا يصح أن تكون في التقدير مجردة من معنى الاستفهام المذكور، و إلا لزم إثبات الاتخاذ المذكور، و هو محال.
و الثاني كقوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ [الرعد، ١٦] أي: بل هل تستوي، و ذلك لأن «أم» اقترنت بهل؛ فلا حاجة إلى تقديرها بالهمزة.
و «أو» لها أربعة معان:
أحدها: التخيير، نحو: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة، ٨٩].
و الثاني: الإباحة، كقوله تعالى: وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ [النور، ٦١]، و هذان المعنيان لها إذا وقعت بعد الطلب.
و الثالث: الشك، نحو: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [المؤمنون، ١١٣].
و الرابع: التشكيك، و هو الذي يعبّر عنه بالإبهام، نحو: وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ، ٢٤]، و هذان المعنيان لها إذا وقعت بعد الخبر.
و أما «بل» فيعطف بها بعد النفي، أو النهي، و معناها حينئذ: تقرير ما قبلها بحاله، و إثبات نقيضه لما بعدها، نحو: «ما جاءني زيد بل عمرو» و «لا يقم زيد بل عمرو» و بعد الإثبات أو الأمر، و معناها حينئذ: نقل الحكم الذي قبلها للاسم الذي بعدها، و جعل الأول كالمسكوت عنه.
و أما «لكن» فلا يعطف بها إلا بعد النفي أو النهي، و معناها كمعنى بل، و عن الكوفيين جواز العطف بها بعد الإثبات قياسا على بل، و أباه غيرهم لأنه لم يسمع.
و أما «لا» فإنها لنفي الحكم الثابت لما قبلها عما بعدها؛ فلذلك لا يعطف بها إلا بعد الإثبات، و ذلك كقولك: «جاءني زيد لا عمرو».
و مثال العطف على الضمير المرفوع المتصل بعد التوكيد [بالضمير المنفصل]:
لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأنبياء، ٥٤]، و مثاله بعد الفصل