شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣١٣
و الثالث: نحو: «إذن لا أفعل».
فلو فصل بغير ذلك لم يجز العمل، كقولك «إذن يا زيد أكرمك».
[الرابع: أن المصدرية، و بيان أنواع أن]
و أما «أن» فشرط النصب بها أمران:
أحدهما: أن تكون مصدريّة، لا زائدة، و لا مفسّرة.
الثاني: أن لا تكون مخفّفة من الثقيلة، و هي التابعة علما أو ظنّا نزّل منزلته.
مثال ما اجتمع فيه الشرطان قوله تعالى: وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء، ٨٢] وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء، ٢٧].
و مثال ما انتفى عنه الشرط الأول قولك: «كتبت إليه أن يفعل» إذا أردت بأن معنى أي؛ فهذه يرتفع الفعل بعدها؛ لأنها تفسير لقولك كتبت؛ فلا موضع لها، و لا لما دخلت عليه، و لا يجوز لك أن تنصب كما لا تنصب لو صرحت بأي، فإن قدّرت معها الجار- و هو الباء- فهي مصدرية، و وجب عليك أن تنصب بها.
و إنما تكون [أن] مفسّرة بثلاثة شروط:
أحدها: أن يتقدم عليها جملة.
و الثاني: أن تكون تلك الجملة فيها معنى القول دون حروفه.
و الثالث: أن لا يدخل عليها حرف جر، لا لفظا و لا تقديرا، و ذلك كقوله تعالى: و المضارع مغتفرا في مواضع أخرى غير هذين؛ فجوّز ابن عصفور الفصل بالظرف أو الجار و المجرور نحو قولك: إذن أمام الأستاذ- أو في البيت- أكرمك، و جوز ابن بابشاذ الفصل بالنداء أو بالدعاء؛ فالأول كقولك: إذن يا محمد أكرمك، و الثاني كقولك: إذن غفر اللّه لك أكرمك، و جوز الكسائي و هشام الفصل بمفعول الفعل المضارع نحو قولك: إذن صديقك أكرم.
و الذي ذهب إليه المؤلف رحمه اللّه- من عدم اغتفار الفصل إلا في الحالتين اللتين ذكرهما- خير مما ذهب إليه هؤلاء جميعا؛ إذ لم يسمع عن العرب الذين يحتج بكلامهم إعمال إذن مع الفصل بشيء مما ذكروه زيادة على ما ذكره هو، و إنما زادوا هم هذه الأشياء قياسا على ما ذكره المؤلف، لأنهم وجدوها مما يكثر الاعتراض به بين العامل و المعمول- نحو قولك: أ رأيت يا زيد ما فعل محمد، و قولك: أسمعت غفر اللّه لك ما قال خالد- فأجازوا الاعتراض بها بين إذن و معمولها من أجل ذلك، و الاعتماد في اللغة على النص أقوى من الاعتماد على القياس.