شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣٤٩
القياس الخفض على الجوار في عطف البيان؛ لأنه كالنعت و التوكيد في مجاورة المتبوع، و ينبغي امتناعه في البدل؛ لأنه في التقدير من جملة أخرى؛ فهو محجوز تقديرا، و رأى هؤلاء أن الخفض في الآية إنما هو بالعطف على لفظ الرؤوس، فقيل:
الأرجل مغسولة لا ممسوحة، فأجابوا على ذلك بوجهين؛ أحدهما: أن المسح هنا الغسل، قال أبو علي: حكى لنا من لا يتّهم أن أبا زيد قال: المسح خفيف الغسل، يقال: مسحت للصلاة، و خصّت الرجلان من بين سائر المغسولات باسم المسح ليقتصد في صب الماء عليهما؛ إذ كانتا مظنّة للإسراف، و الثاني: أن المراد هنا المسح على الخفين، و جعل ذلك مسحا للرجل مجازا، و إنما حقيقته أنه مسح للخف الذي على الرجل، و السّنّة بيّنت ذلك.
و يرجح ذلك القول ثلاثة أمور: أحدها: أن الحمل على المجاورة حمل على شاذ؛ فينبغي صون القرآن عنه، الثاني أنه إذا حمل على ذلك كان العطف في الحقيقة على الوجوه و الأيدي؛ فيلزم الفصل بين المتعاطفين بجملة أجنبية و هو وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ و إذا حمل على العطف على الرؤوس لم يلزم الفصل بالأجنبي، و الأصل أن لا يفصل بين المتعاطفين بمفرد فضلا عن الجملة، الثالث: أن العطف على هذا التقدير حمل على المجاور، و على التقدير الأول حمل على غير المجاور، و الحمل على المجاور أولى.
فإن قلت: يدل للتوجيه الأول قراءة النصب.
قلت: لا نسلم أنها عطف على الوجوه و الأيدي، بل على الجار و المجرور، كما قال:
١٦٧-* يسلكن في نجد و غورا غائرا*