شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣٢٤
قلت: نعم يجوز على الوجه الثاني، و هو ما تأتينا فكيف تحدثنا، أي: لا يؤذن لهم بالاعتذار فكيف يعتذرون؟ و يمتنع على الوجه الأول- و هو ما تأتينا محدثا بل تأتينا غير محدث- ألا ترى أن المعنى حينئذ لا يؤذن لهم في حالة اعتذارهم، بل يؤذن لهم في غير حالة اعتذارهم، و ليس هذا المعنى مرادا.
فإن قلت: فإذا كان النصب في الآية جائزا على الوجه الذي ذكرته، فما باله لم يقرأ به أحد من القرّاء المشهورين؟
قلت: لوجهين؛ أحدهما: أن القراءة سنّة متّبعة، و ليس كل ما تجوّزه العربية تجوز القراءة به، و الثاني: أن الرفع هنا بثبوت النون فيحصل بذلك تناسب رؤوس الآي، و النصب بحذفها فيزول [معه] التناسب.
و من مجيء النصب بعد النفي قول اللّه عز و جل: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [فاطر، ٣٦] و النصب هنا على معنى قولك: ما تأتينا فكيف تحدثنا، لا على معنى قولك:
ما تأتينا محدثا بل غير محدث.
و لو قلت «ما تأتينا إلا فتحدثنا» أو «ما تزال تأتينا فتحدثنا» وجب الرفع، و ذلك لأن النفي في المثال الأول قد انتقض بإلّا، و في المثال الثاني هو داخل على زال و زال للنفي، و نفي النفي إيجاب.
و أما الأمر فكقوله:
١٥٠- يا ناق سيري عنقا فسيحا
إلى سليمان فنستريحا