شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢٥
حاجة ماسة إلى أن نظهرهم على الآفاق الواسعة و الآراء الناضجة المؤسسة على سعة الاطلاع و نفاذ البصيرة و براعة العرض و حسن الترجيح، و قد تكفل هذا الكتاب- على صغر حجمه- بالكثير من ذلك» [١].
و الحديث عن تحقيق كتب التراث قد يمتد ما شاء اللّه له أن يمتد دون أن نوفيه حقه من التمام، و إلى ما يتسع له المقال، و إنما تبقى نقطة نكتفي بالإشارة إليها؛ فلن تعدم بعد كل ما أسفلنا لك حاسدا، أو منتسبا للعلم دونما أهلية، أو نفرا من العاملين في تحقيق التراث يلقون في أذنك أوهاما و أكاذيب تهدف إلى الانتقاص من قدر الرجل و من قيمة جهده و عمله، فمنهم من لا يرى في العمل وجها من صواب ما لم يطابق أعمال المستشرقين، و ما لم يجر على سنن المنهجية التى ادعوها لأنفسهم، و مع ما في ذلك الاعتقاد من سقطات ظاهرة، و مع منافاته للعلمية التي ينتحلونها، فإنا نشدد في لفت انتباهك لئلا نعير مثل أولاء التفاتا، و قل لهم- إن خاطبوك- سلاما، فقد قيل في الإمام الشافعي رحمه اللّه ما قيل، و قيل عن الإمام أبي حنيفة النعمان فوق ذلك، بل عدّه العقيلي من الضعفاء، فأين الذين أسرفوا في القول في هذين الإمامين الجليلين منهما الآن؟ بل أين الذين انتقصوا من قدر الإمام الحافظ السيوطي؟ و أين أولئك الذين كفّروا أتباع الإمامين الجليلين ابن تيمة و ابن القيّم؟ و نكتفي بإحالتك لتلك الأمثلة و إن تكاثرت النماذج في القديم و الحديث، ثم بإحالتك إلى القاعدة المعروفة التي وضعها علماء الأصول بردّ شبهات المعاصرين، و تبقى شهادة التاريخ مصدقة لقول العليم الحكيم: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.
«و يمثل الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد فلسفة لغوية لها منهجها و دقتها و عمقها، فهو يرى ضرورة تربية الحسّ اللغوي لينتهي بصاحبه إلى الذوق الأدبي، و يبدأ بالكلمة لينتهي إلى الأسلوب فالأدب نفسه، و دور الكلمة في الأدب دور كبير، و أثرها في بناء العمل الأدبي ضخم و جليل.
[١] من مقدمة كتاب «الطرق الحكمية» لابن قيم الجوزية.