شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٩٠
ثم قلت: السّادس يفعلان و تفعلان و يفعلون و تفعلون و تفعلين؛ فإنها ترفع بثبوت النّون، و تنصب و تجزم بحذفها، و أمّا نحو (تُحاجُّونِّي) فالمحذوف نون الوقاية، و أمّا إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ فالواو أصل، و الفعل مبنيّ، بخلاف وَ أَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى.
[السادس: الأفعال الخمسة]
و أقول: الباب السادس مما خرج عن الأصل: الأمثلة الخمسة، و هي: كل فعل الإعراب: «ليس» فعل ماض ناقص، «دين» اسم ليس، و هو مضاف و «اللّه» مضاف إليه، «بالمعضى» الباء حرف جر زائد، المعضى: خبر ليس.
الشّاهد فيه: قوله «المعضى» فإن هذه الكلمة اسم مفعول من معتل اللام المضعف الوسط، مثل زكى و وفى و أدى، و اسم المفعول منها مزكى و موفى و مؤدى- بضم الميم في الثلاثة و فتح ما بعدها و تشديد الحرف الثالث- و معنى المعضى المجزأ المفرق، تقول: عضيت الذبيحة، إذا قطعتها أجزاء عدة، و فصلت كل جزء منها عن أخواته، و الأصل في ذلك كله العضو الذي هو واحد الأعضاء، و المؤلف يريد أن يقول: «عضة» بكسر العين و فتح الضاد التي هي مفرد «عضين» في نحو قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ مأخوذة من التعضية؛ لأن المعنى فيهما واحد؛ ألا ترى أن ابن عباس رضي اللّه عنهما فسر هذه الآية بقوله: «أي جزؤوا القرآن أجزاء» و على هذا يكون أصلها عضو، فحذفوا الواو، ثم عوضوا منها الهاء، و هذا أحد مذهبين للعلماء في هذه الكلمة، و المذهب الثاني أشار إليه المؤلف، و حاصله أن عضة مأخوذة من العضه و هو السحر، و الكهانة أو البهتان و الإفك بدليل جمع عضة على عضاه مثل شفاه، و بدليل تصغيرها على عضيهة، و من المعلوم أن الجمع و التصغير يردان الأشياء إلى أصولها، و قد أشبعنا القول في بيان المذاهب في هذه الكلمة و بيان أدلتها في كتابتنا على الأشموني، و هذه اللمحة دالة فلا داعى للإطالة بسردها.
- اللغة الرابعة: أن تلزمه الواو ثم تعربه إعراب الاسم الذي لا ينصرف
بضم النون في حال الرفع و فتحها في حالتي النصب و الجر من غير تنوين، و عللوا منع
صرفه بوجود العلمية و شبه العجمة. اللغة الخامسة: أن تلزمه الواو، و تلتزم فتح النون في الأحوال
الثلاثة الرفع و الجر و النصب، و يكون الإعراب حينئذ بحركات مقدرة على الواو، و
النون عوض عن التنوين و على هذا يصح أن يكون ما التزموا فيه الواو كابن زيدون و
ابن عمرون و ابن حمدون جاريا على إحدى اللغات الثالثة و الرابعة و الخامسة، و ما
التزموا فيه الياء كابن سبعين جاريا على اللغة الثانية. و مما نحب أن ننبهك إليه أن هذه اللغات الخمس مترتبة في القوة على
الترتيب الذي حكيناه، فالأولى أعلاها، ثم الثانية، ثم الثالثة، و هلم جرّا.