شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٤٣٣
و من ثمّ قلنا في قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً [الكهف، ٩٦] إنه أعمل الثاني، لأنه لو أعمل الأول لوجب أن يقال «آتوني أفرغه عليه قطرا» و كذا بقية آي التنزيل الواردة من هذا الباب.
[باب الاشتغال]
ثم قلت: باب- إذا شغل فعلا أو وصفا ضمير اسم سابق أو ملابس لضميره عن نصبه وجب نصبه بمحذوف مماثل للمذكور إن تلا ما يختصّ بالفعل كإن الشّرطيّة و هلّا و متى، و ترجّح إن تلا ما الفعل به أولى كالهمزة و ما النّافية أو عاطفا على فعليّة غير مفصول بأمّا نحو أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ أو كان المشغول طلبا، و وجب رفعه بالابتداء إن تلا ما يختصّ به كإذا الفجائيّة، أو تلاه ما له الصّدر ك «زيد هل رأيته» و هذا خارج عن أصل هذا الباب، مثل وَ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ و «زيد ما أحسنه»، و ترجّح في نحو «زيد ضربته»، و استويا في نحو «زيد قام و عمرا أكرمته».
و أقول: هذا الباب المسمى بباب الاشتغال، و حقيقته: أن يتقدم اسم، و يتأخر عنه عامل، هو فعل أو وصف، و كل من الفعل و الوصف المذكورين مشتغل عن نصبه له بنصبه لضميره لفظا ك «زيدا ضربته» أو محلا ك «زيدا مررت به» أو لما لابس ضميره، نحو: «زيدا ضربت غلامه» أو «مررت بغلامه».
و الاسم في هذه الأمثلة و نحوها أصله أن يجوز فيه و جهان؛ أحدهما: أن يرفع على الابتداء؛ فالجملة بعده في محل رفع على الخبرية، و الثاني: أن ينصب بفعل محذوف وجوبا يفسره الفعل المذكور؛ فلا موضع للجملة بعده لأنها مفسرة.
أنك إذا أعملت الأول أضمرت في الثاني كل شيء يحتاجه؛ لأنه لا يلزم على الإضمار في الثاني محذور، بخلاف إعمال الثاني مع الإضمار في الأول، فإنه يلزم عليه عود الضمير على متأخر لفظا و رتبة، فاغتفرناه في المرفوع لشدة الحاجة إليه، و لم نغتفره في غيره؛ لعدم الحاجة إليه، على ما سبق بيانه في شرح الشاهد السابق ص ٤٣٢ الماضية، و ليس بعد ذلك إيضاح، فتفهمه، و اللّه يرشدك.
[١] يريد أن أسلوب القرآن الكريم جرى على إعمال العامل الثاني في كل ما ورد فيه مما يسميه النحاة باب التنازع.