شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٥٩
من قوله تعالى: أَيَّ مُنْقَلَبٍ مفعول مطلق لينقلبون، و ليست مفعولا به لسيعلم؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، و مثالها في الخفض: فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ* بِأَيِّكُمُ [القلم، الآيتان: ٥، ٦]، و أي في هذه الآية مخفوضة لفظا مرفوعة محلا؛ لأنها مبتدأ، و الباء زائدة، و الأصل أيّكم المفتون [١]، و الجملة نصب بتبصر أو يبصرون؛ لأنهما تنازعاها، و هما معلّقان عن العمل بالاستفهام، و في الآية مباحث أخر.
و مثال الظرف المبني على السكون «إذ» و هو ظرف لما مضى من الزمان، و يضاف لكل من الجملتين، نحو: وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [الأنفال، ٢٦] وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا [الأعراف، ٨٦] [وَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ] [غافر، ٧٠، ٧١]، و قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها [الزلزلة، الآية ٤] بعد قوله سبحانه و تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ [الزلزلة، ١]، و تأتي للتعليل، نحو: وَ إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [الكهف، ١٦] أي: و لأجل اعتزالكم إياهم، و الاستثناء في الآية متصل إن كان هؤلاء القوم يعبدون اللّه و غيره، و منقطع إن كانوا يخصّون غير اللّه سبحانه بالعبادة، و كذلك البحث في قوله تعالى: قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ* أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ* فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [الشعراء، ٧٥- ٧٧] و تأتي للمفاجأة كقوله:
[١] هذا الإعراب الذي ذكره المؤلف هو إعراب سيبويه شيخ النحاة لهذه الآية الكريمة، و عليه يكون (المفتون) اسم مفعول كما هو الظاهر، و يكون الاستفهام عمن وقعت عليه الفتنة؛ فكأن بعضهم يقول لبعض: أي امرئ منكم أثرت فيه دعاية هذا المدعي للنبوة فجعلته يترك دين آبائه إلى دينه؟ و ذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الباء أصلية و أي: مجرور بها لفظا، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و المفتون: مبتدأ مؤخر، ثم اختلف النقل عنه في معنى الباء؛ فنقل عنه قوم أنه يقول: إن معنى الباء السببية، و على هذا يكون المفتون مصدرا بمعنى الفتنة، و كأن بعض هؤلاء يقول لبعض: بسبب أيكم وقعت الفتنة؟ و مجيء المصدر على زنة مفعول مما أثبته الأخفش، و مثل لما جاء منه بالميسور و المعسور و المجلود و المحلوف و المعقول: بمعنى اليسر و العسر و الجلد و الحلف و العقل (انظر شرح الشاهد رقم ٦٠ الآتي) نقل عنه قوم آخرون: أن الباء بمعنى في التي للظرفية، و على هذا يكون المفتون اسم مفعول كما ذهب إليه سيبويه؛ و كأن بعض هؤلاء يقول لبعض: في أي طائفة من طوائفكم هذا الذي وقعت الفتنة عليه؟