شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٠٢
يَتَرَبَّصْنَ [البقرة، ٢٢٨] وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ [البقرة، ٢٣٣]؛ فيتربصن و يرضعن: فعلان مضارعان في موضع رفع؛ لخلوهما من الناصب و الجازم، و لكنهما لما اتّصلا بنون النسوة بنيا على السكون.
و هذان الفعلان خبريّان لفظا طلبيّان معنى و مثلهما «يرحمك اللّه» و فائدة العدول بهما عن صيغة الأمر التوكيد و الإشعار بأنهما جديران بأن يتلقّيا بالمسارعة؛ فكأنّهن امتثلن؛ فهما مخبر عنهما بموجودين.
الثاني: الماضي المتصل بضمير رفع متحرك [١]، نحو: «ضربت» و «ضربت» و «ضربت» و «ضربنا زيدا»، و الأصل فيه ضرب بالفتح؛ فاتصل الفعل بالضمير المرفوع المتحرك- و هو التاء في المثل الثلاثة الأول؛ لأنها فاعل، و «نا» في المثال الرابع- و هما متحركان، و أعني بذلك أن التاء متحركة و الحرف المتصل بالفعل من «نا»- و هو النون- متحرك؛ فلذلك بنيت الأمثلة على السكون.
و احترزت بتقييد الضمير بالرفع من ضمير النصب؛ فإنه يتصل بالفعل و لا يغيّره عن بنائه على الفتح الذي هو الأصل فيه، نحو: «ضربك زيد» و «ضربنا زيد»، و بتقييده بالمتحرك من الضمير المرفوع الساكن، نحو: «ضربا» و «ضربوا» فإنه لا يقتضي سكون الفعل أيضا، بل يبقى آخر الفعل فيه قبل الألف مفتوحا و يضم قبل الواو كما مثلنا، و أما نحو: اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة، ١٦] و نحو: دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [الفرقان، ١٣] فالأصل اشتريوا بياء مضمومة قبل الضمير الساكن، و دعووا بواوين أولاهما مضمومة قبل [الضمير] الساكن، ثم تحركت الياء و الواو و انفتح ما قبلهما فقلبتا ألفين، ثم حذفت الألف لالتقاء الساكنين، و معنى «دعوا هنالك ثبورا» قالوا:
يا ثبوراه، أي: يا هلاكاه.
[١] أما بناء الماضي المتصل بنون النسوة فلأن الأصل في الأفعال البناء، و أما بناؤه على السكون فله سببان أولهما أن الأصل في البناء أن يكون على السكون، و الثاني الفرار من توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة، لأن الماضي الثلاثي متحرك الحروف كلها فلو بقي آخره متحركا و اتصل بالضمير المتحرك توالي أربع متحركات في شبه الكلمة الواحدة لأن الفعل و الفاعل لشدة ترابطهما و استدعاء كل منهما للآخر يشبهان الكلمة الواحدة، و العرب تستثقل ذلك.