شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣٨١
يروى بنصب «موجعات» بالكسرة عطفا على محل قوله «ما البكى» و من ثم سمى ذلك تعليقا؛ لأن العامل ملغى في اللفظ و عامل في المحل؛ فهو عامل لا عامل، فسمى معلّقا، أخذا من المرأة المعلقة التي [هي] لا مزوّجة و لا مطلّقة، و لهذا قال ابن الخشاب: لقد أجاد أهل هذه الصناعة في وضع هذا اللّقب لهذا المعنى.
و لنشرح ما تقدم الوعد بشرحه من الأفعال التي تتعدّى إلى مفعولين أولهما مسرّح دائما: أي مطلق من قيد حرف الجر، و الثاني تارة مسرّح منه و تارة مقيّد به، و قد ذكرت منها في المقدّمة عشرة أفعال.
أحدها: «أمر» قال تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة، ٤٤] و قال الشاعر:
شواهد المؤلف في أوضحه (رقم ١٨٨) و في القطر (رقم ٧٤) و أنشده الأشموني في باب ظن و أخواتها (رقم ٣٣٨).
الإعراب: «ما» نافية، «كنت» كان: فعل ماض ناقص، و تاء المتكلم اسمه، «أدري» فعل مضارع، و فاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنا، و الجملة في محل نصب خبر كان «قبل» ظرف زمان منصوب بأدري، و قبل مضاف و «عزة» مضاف إليه، «ما» اسم استفهام مبتدأ «البكى» خبر المبتدأ، و جملة هذا المبتدأ و الخبر في محل نصب بأدري، «و لا» الواو عاطفة، لا:
زائدة لتأكيد النفي، «موجعات» معطوف على محل جملة «ما البكى» منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة، و موجعات مضاف، و «القلب» مضاف إليه، «حتى» حرف غاية و جر، «تولت» تولى:
فعل ماض و التاء علامة التأنيث، و الفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي، و قبل تولت أن مصدرية محذوفة تسبك بمصدر يقع مجرورا بحتى، و الجار و المجرور متعلق بأدري.
الشّاهد فيه: قوله «أدري ما البكى و لا موجعات» فإن أدري فعل مضارع من شأنه أن ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ و الخبر؛ و قوله «ما البكى» جملة من مبتدأ و خبر؛ فكان حق الفعل أن يعمل في لفظ أو محل المبتدأ و الخبر النصب، لكن لما كان المبتدأ اسم استفهام، و كان اسم الاستفهام لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله لأنه ملازم للتصدر؛ لهذه الأسباب لم يعمل الفعل في لفظ المبتدأ و الخبر النصب، و عمل في محلهما، و الدليل على أنه عمل في محلهما أنه عطف عليهما قوله «موجعات» بالنصب بالكسرة، و المعطوف يجب أن يكون كالمعطوف عليه في إعرابه، كما هو معلوم لك؛ فيدل نصب المعطوف على أن المعطوف عليه منصوب، و لما لم يكن المعطوف عليه منصوبا لفظا و لا تقديرا فإنا نثق بأنه منصوب محلا، و ليس في هذا ما يدعو إلى الإطالة بالشرح و الإيضاح، فافهم.