شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢٦٠
النوع الثاني: ما ليس اسم جهة، و لكن يشبهه في الإبهام، كقوله تعالى: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً [يوسف، ٩] وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً [الفرقان، ١٣].
و القسم الثاني: أن يكون دالّا على مساحة [معلومة] من الأرض، ك «سرت فرسخا» و «ميلا» و «بريدا» و أكثرهم يجعل هذا من المبهم، و حقيقة القول فيه أن فيه إبهاما و اختصاصا: أما الإبهام فمن جهة أنه لا يختص ببقعة بعينها، و أما الاختصاص فمن جهة دلالته على كمية معينة؛ فعلى هذا يصح فيه القولان.
و القسم الثالث: اسم المكان المشتق من المصدر، و لكن شرط هذا أن يكون عامله من مادته، ك «جلست مجلس زيد» و «ذهبت مذهب عمرو» وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ [الجن، ٩]، و لا يجوز «جلست مذهب عمرو» و نحوه.
و ما عدا هذه الأنواع الثلاثة من أسماء المكان لا يجوز انتصابه على الظرف؛ فلا تقول «صلّيت المسجد» و لا «قمت السّوق» و لا «جلست الطّريق»؛ لأن هذه الأمكنة خاصّة، ألا ترى أنه ليس كلّ مكان يسمى مسجدا و لا سوقا و لا طريقا؟ و إنما حكمك في هذه الأماكن و نحوها أن تصرّح بحرف الظرفية و هو «في» و قال الشاعر- و هو رجل من الجن سمعوا بمكة صوته و لم يروا شخصه- يذكر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و أبا بكر رضي اللّه عنه حين هاجر:
١١٣- جزى اللّه ربّ النّاس خير جزائه
رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد
هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا
فأفلح من أمسى رفيق محمّد