شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٤٤٥
لأن نصرا الثاني مرفوع، و الثالث منصوب، فلا يجوز فيهما أن يكونا بدلين؛ لأنه لا يجوز «يا نصر» بالرفع، و لا «يا نصرا» بالنصب، قالوا: و إنما نصر الأول عطف بيان على اللفظ، و الثاني عطف بيان على المحل، و استشكل ذلك ابن الطراوة؛ لأن الشيء لا يبين نفسه، قال: و إنما هذا من باب التوكيد اللفظي، و تابعه على ذلك المحمدان ابنا مالك و معطي.
فإن قلت: «يا سعيد كرز» بضم «كرز» وجب كونه بدلا، و امتنع كونه بيانا؛ لأن البدل في باب النداء حكمه حكم المنادى المستقلّ و «كرز» إذا نودي ضم من غير تنوين، و أما البيان المفرد التابع لمبني فيجوز رفعه و نصبه، و يمتنع ضمه من غير تنوين، و مثله في ذلك النعت و التوكيد، نحو: «يا زيد الفاضل» و «الفاضل» و «يا تميم أجمعون» و «أجمعين».
و كذلك يمتنع البيان في قولك «قرأ قالون عيسى» و نحوه مما الأول فيه أوضح من الثاني، و إنما قال العلماء في قوله تعالى: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ* رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ [الشعراء، ٤٧ و ٤٨] إنه بيان؛ لأن فرعون كان قد ادعى الربوبية، فلو اقتصروا على قولهم بِرَبِّ الْعالَمِينَ* لم يكن ذلك صريحا في الإيمان بالرب الحق سبحانه و تعالى.
[الرابع: البدل]
ثم قلت: الرّابع البدل، و هو: التّابع المقصود بالحكم بلا واسطة، و هو إمّا بدل كلّ نحو: صِراطَ الَّذِينَ أو بعض نحو: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أو اشتمال نحو: قِتالٍ فِيهِ* أو إضراب نحو: «ما كتب له نصفها ثلثها ربعها» أو نسيان أو غلط ك «جاءني زيد عمرو» و «هذا زيد حمار» و الأحسن عطف هذه عليه حرف النداء وجب بناؤه على الضم؛ لكن عطف البيان ليس كذلك؛ بل يجوز فيه الإتباع على اللفظ فيؤتى به مرفوعا منونا كالأول من الاثنين؛ و الإتباع على المحل فيؤتى به منصوبا منونا كالثاني؛ فمن أجل ذلك صح في هذا البيت بخصوصه أن يكون «نصر نصرا» عطف بيان، و لم يصح جعل واحد منهما بدلا.