شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٨٢
كل الكتب، إلا أن الاستغراق في الآية الأولى لأفراد الجنس، و في الثانية لخصائص الجنس، كقولك: «زيد الرّجل» أي الذي اجتمع فيه صفات الرجال المحمودة، و الثاني نحو: وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [الأنبياء، ٣٠] أي: من هذه الحقيقة، لا من كل شيء اسمه ماء.
و قولي «العهدية أو الجنسية» خرج به المحلى بالألف و اللام الزائدتين؛ فإنها ليست لعهد و لا جنس، و ذلك كقراءة بعضهم لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ [المنافقون، ٨] بفتح ياء (ليخرجن) و ضم رائه، و ذلك لأن الأذلّ على هذه القراءة حال، و الحال واجبة التنكير؛ فلهذا قلنا: إن أل زائدة لا معرّفة، و التقدير:
ليخرجن الأعز منها ذليلا، و لك أن تقدر أن الأصل خروج الأذل، ثم حذف المضاف و أقيم المضاف إليه مقامه، فانتصب على المصدر على سبيل النيابة، و حينئذ فلا يحتاج لدعوى الزيادة.
[يجب ثبوت أل في موضعين:]
ثم ذكرت أن «أل» المعرفة يجب ثبوتها في مسألتين، و يجب حذفها في مسألتين:
أما مسألتا الثبوت فإحداهما: أن يكون الاسم فاعلا ظاهرا و الفعل «نعم» أو «بئس» كقوله تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ [ص، ٣٠] فَنِعْمَ الْقادِرُونَ [المرسلات، ٢٣] فَنِعْمَ الْماهِدُونَ [الذاريات، ٤٨] و بِئْسَ الشَّرابُ [الكهف، ٢٩]، و أشرت بالتمثيل بقوله تعالى: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ [الجمعة، ٥]، إلى أنه لا يشترط كون «أل» في نفس الاسم الذي وقع فاعلا كما في نِعْمَ الْعَبْدُ [النحل، ٣٠]، بل يجوز كونها فيما أضيف هو إليه، نحو وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ [ص، ٣٠] فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ [النحل، ٢٩]، بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ [١].
[١] يشترط في هذا التمييز خمسة شروط: أولها: أن
يكون نكرة، فلا يصح الإتيان به معرفة. و الثاني: أن يكون عامّا، و نريد بالعام ما يكون له أفراد متعددة،
كرجل و امرأة و فتاة و كتاب، فإن لم يكن له إلا فرد واحد كقمر و شمس لم يصح أن
يكون تمييزا هنا، نعم لو قلت «نعم شمسا شمس يومنا» أو قلت: «نعم قمرا قمر ليلتنا» صح ذلك؛ لأن القمر يتعدد بتعدد الليالي، و الشمس
تتعدد بتعدد الأيام؛ فصار من قبيل النكرة العامة ذات الأفراد.