شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٤٢١
بمعنى إصابتكم، و يسمى اسم مصدر مجازا، و رجلا: مفعول بالمصدر، و أهدى السّلام: جملة في موضع نصب على أنها صفة لرجلا، و تحية: مصدر لأهدى السّلام، من باب «قعدت جلوسا» و ظلم: خبر إنّ، و لهذا البيت حكاية شهيرة عند أهل الأدب.
و الثاني: ما لا يعمل اتفاقا، و هو ما كان من أسماء الأحداث علما ك «سبحان» علما للتسبيح، و «فجار» و «حماد» علمين للفجرة و المحمدة.
و الثالث: ما اختلف في إعماله، و هو ما كان اسما لغير الحدث، فاستعمل له، ك «الكلام» فإنه في الأصل اسم للملفوظ به من الكلمات، ثم نقل إلى معنى التكليم، و «الثّواب» فانه في الأصل اسم لما يثاب به العمّال، ثم نقل إلى معنى الإثابة، و هذا النوع ذهب الكوفيون و البغداديون إلى جواز إعماله، تمسكا بما ورد من نحو قوله:
[١] روى أهل الأدب أن أبا عثمان المازني كان فقيرا مملقا ذا حاجة، و أنه جاءه ذات يوم رجل ذمي، و بذل له مائة دينار على أن يقرئه كتاب سيبويه في النحو، فامتنع أبو عثمان عن قبول ذلك، و كان تلميذه الإمام الكبير أبو العباس المبرد يعلم خصاصته و فقره و احتياجه إلى المال فعاتبه على امتناعه، فأجابه بأنه إنما امتنع لأن كتاب سيبويه يشتمل على ثلاثمائة و كذا و كذا آية من القرآن الكريم، و أنه لا يجمل به أن يمكن الذمي من قراءة هذه الآيات، ثم اتفق أن غنت جارية بحضرة أمير المؤمنين الواثق العباسي بهذا البيت، فنصبت «رجلا» و كان بالحضرة أبو يعقوب بن السكيت- و يقال: بل كان بالمجلس اليزيدي أحد أبناء أبي محمد مؤدب المأمون- فأنكر على الجارية نصب «رجلا» و قال: إنما هو بالرفع، و أصرت الجارية على النصب، و قالت: إنني هكذا تلقيته على شيخي أبي عثمان المازني، فأمر الواثق بإشخاص أبي عثمان إليه من البصرة، فلما حضر أقر الجارية على ما قالت، و فسره بأن المصاب مصدر بمعنى الإصابة، و رجلا: مفعول، فاستحسن ذلك الواثق، و أمر له بألف دينار، فلما رجع إلى البصرة قال لتلميذه المبرد: تركنا مائة للّه فعوضنا اللّه منها ألفا.
قال أبو رجاء: و اعلم أولا أن هذه الحادثة تروى باختلاف يسير في كثير من كتب الأدب، منها درة الغواص للحريري، و منها ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي (ص ٢) و منها حلبة الكميت للنواجي (٤٩ بولاق) و منها أدب النديم لكشاجم، و منها وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمة أبي عثمان المازني (الترجمة ١١٥ بتحقيقنا).
و اعلم ثانيا أن وجه ما ذكره اليزيدي أو ابن السكيت من رفع رجل يتأتى على أن يكون «مصاب» اسم مفعول فعله أصاب، و هو اسم إن، و ضمير المخاطبين مضاف إليه من إضافة الوصف إلى مرفوعه، و رجل بالرفع خبر إن، و جملة «أهدى السّلام تحية» في محل رفع صفة لرجل، و ظالم في آخر البيت خبر مبتدأ محذوف، و تقدير الكلام: إن الذي أصبتموه بتجنيكم عليه رجل موصوف بأنه أهدى إليكم السّلام، و هذا ظلم، و لا شك أن فيه تكلفا، فضلا عن أن يكون متعينا كما كان يذهب إليه اليزيدي على ما يفهم من حاله في تشبثه و تخطئته الجارية المغنية.