شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣٧٧
و احترزت من ظن بمعنى اتهم فإنها تتعدى لواحد نحو قولك «عدم لي مال فظننت زيدا» و منه قوله تعالى: وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [التكوير، ٢٤] أي ما هو بمتّهم على الغيب، و أما من قرأ بالضاد فمعناه: ما هو ببخيل، و كذلك علم بمعنى عرف، نحو: وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل، ٧٨] و رأى من الرأي، كقولك: «رأى أبو حنيفة حلّ كذا، أو حرمته» و حجا بمعنى قصد نحو: «حجوت بيت اللّه» و من وجد بمعنى حزن أو حقد؛ فإنهما لا يتعديان بأنفسهما، بل تقول: «وجدت على الميت» و «حقدت على المسيء».
[لأفعال القلوب ثلاث حالات]
ثم اعلم أن لأفعال القلوب ثلاث حالات: الإعمال، و الإلغاء، و التعليق.
[الأولى: الإعمال، و هو واجب و جائز]
فأما الإعمال فهو نصبها المفعولين، و هو واجب إذا تقدمت عليهما و لم يأت بعدها معلّق، نحو: «ظننت زيدا عالما»، و جائز إذا توسطت بينهما نحو: «زيدا ظننت عالما» أو تأخرت عنهما، نحو: «زيدا عالما ظننت».
[الثانية: الإلغاء]
و أما الإلغاء فهو: إبطال عملها إذا توسّطت أو تأخرت؛ فتقول «زيد ظننت عالم» و «زيد عالم ظننت» و الإلغاء مع التأخر أحسن من الإعمال، و الإعمال مع التّوسّط أحسن من الإلغاء، و قيل: هما سيّان.
[الثالثة: التعليق، إذا وقع بعدها واحد من عشرة أشياء]
و أما التعليق فهو: إبطال عملها في اللفظ دون التقدير؛ لاعتراض ما له صدر الكلام بينها و بين معموليها، و هو واحد من أمور عشرة:
أحدها: لام الابتداء نحو «علمت لزيد فاضل» و قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة، ١٠٢].
[١] هذا مذهب البصريين، و زعم علماء الكوفة أنه يجوز الإلغاء مع تقدم العامل و عدم ذكر معلق بعده، و استدلوا على ذلك بقوله:
أرجو و آمل أن تدنو مودّتها
و ما إخال لدينا منك تنويل