شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٨٤
السورة التي تليها: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ [المائدة، ٦٩] فإنه جاء بالواو، و قد كان مقتضى قياس ما ذكرت أن يكون (وَ الصَّابِئِينَ) بالياء؛ لأنه معطوف على المنصوب، و المعطوف على المنصوب منصوب، و جمع المذكر السالم ينصب بالياء كما ذكرت؟
قلت: أما الآية الأولى ففيها أوجه، أرجحها و جهان:
أحدهما: أن «الْمُقِيمِينَ» نصب على المدح، و تقديره: و أمدح المقيمين، و هو قول سيبويه و المحققين، و إنما قطعت هذه الصفة عن بقية الصفات لبيان فضل الصلاة على غيرها.
و ثانيهما: أنه مخفوض؛ لأنه معطوف على «ما» في قوله تعالى: بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ* أي: يؤمنون بالكتب و بالمقيمين الصلاة، و هم الأنبياء، و في مصحف عبد اللّه (و المقيمون) بالواو و هي قراءة مالك بن دينار و الجحدريّ و عيسى الثّقفي، و لا إشكال فيها.
و أما الآية الثانية ففيها أيضا أوجه، أرجحها و جهان:
أحدهما: أن يكون (الَّذِينَ هادُوا) مرتفعا بالابتداء، و (الصَّابِئُونَ وَ النَّصارى) عطفا عليه، و الخبر محذوف، و الجملة في نية التأخير عما في حيّز «إنّ» من اسمها و خبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا بألسنتهم من آمن منهم- أي بقلبه- بالله إلى آخر الآية.
ثم قيل: و الذين هادوا و الصابئون و النصارى كذلك.
و الثاني: أن يكون الأمر على ما ذكرناه من ارتفاع (الَّذِينَ هادُوا) بالابتداء، و كون ما بعده عطفا عليه، و لكن يكون الخبر المذكور له، و يكون خبر «إنّ» محذوفا مدلولا عليه بخبر المبتدأ، كأنه قيل: إن الذين آمنوا من آمن منهم، ثم قيل: و الذين هادوا ... إلخ.
و الوجه الأول أجود؛ لأن الحذف من الثاني لدلالة الأول أولى من العكس، و قرأ أبيّ بن كعب: (و الصابئين) بالياء، و هي مرويّة عن ابن كثير، و لا إشكال فيها.