شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٥٩
و «مررت بزيد»، ألا ترى أنها آثار ظاهرة في آخر «زيد» جلبتها العوامل الداخلة عليه- و هي: جاء، و رأى، و الباء.
و مثال الآثار المقدرة ما تعتقده منويّا في آخر نحو «الفتى» من قولك «جاء الفتى» و «رأيت الفتى» و «مررت بالفتى»؛ فإنك تقدر في آخره في المثال الأول ضمة، و في الثاني فتحة، و في الثالث كسرة، و تلك الحركات المقدرة إعراب، كما أن الحركات الظاهرة في آخر «زيد» إعراب.
و خرج بقولي «يجلبه العامل» نحو الضمة في النون في قوله تعالى: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ [الإسراء، ٧١] في قراءة ورش، بنقل حركة همزة أوتي إلى ما قبلها و إسقاط الهمزة، و الفتحة في دال قَدْ أَفْلَحَ [المؤمنون، ١] على قراءته أيضا بالنقل، و الكسرة في دال «الحمد للّه» في قراءة من أتبع الدال اللام؛ فإن هذه الحركات و إن كانت آثارا ظاهرة في آخر الكلمة لكنها لم تجلبها عوامل دخلت عليها؛ فليست إعرابا.
و قولي «في آخر الكلمة» بيان لمحل الإعراب من الكلمة، و ليس باحتراز؛ إذ ليس لنا آثار تجلبها العوامل في غير آخر الكلمة فيحترز عنها.
فإن قلت: بلى، وجد ذلك في «امرئ» و «ابنم» ألا ترى أنهما إذا دخل عليهما الرافع ضمّ آخرهما و ما قبل آخرهما؛ فتقول «هذا امرؤ و ابنم» و إذا دخل عليهما الناصب فتحهما فتقول «رأيت أمرأ و ابنما» و إذا دخل عليهما الخافض كسرهما فتقول «مررت بامرئ و ابنم»، قال اللّه تعالى: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء، ١٧٦] ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم، ٢٨] لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس، ٣٧].
قلت: اختلف أهل البلدين [١] في هذين الاسمين، فقال الكوفيون: إنهما معربان من مكانين، و إذا فرّعنا على قولهم فلا يجوز الاحتراز عنهما، بل يجب إدخالهما فى الحدّ، و قال البصريون، و هو الصواب: إن الحركة الأخيرة هي الإعراب، و ما قبلها إتباع لها، و على قولهم فلا يصح إدخالهما فى الحد [٢].
[١] أراد بأهل البلدين: الكوفيين و البصريين.
[٢] حاصل ما ذكره المؤلف في كلمتي «امرئ، و ابنم» أن آخر كل منهما و الحرف الذي قبل الآخر يتغيران بتغير العوامل فيرتفع الحرف الأخير و الذي قبله بعامل الرفع، و ينتصبان بعامل النصب، و ينخفضان بعامل الخفض، و قد-