شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٥٧
و هذا التقسيم تبعت فيه بعضهم، و التحقيق خلافه، و أن الكلام ينقسم إلى خبر و إنشاء فقط، و أن الطلب من أقسام الإنشاء، و أن مدلول «قم» حاصل عند التلفظ به لا يتأخر عنه، و إنما يتأخر عنه الامتثال، و هو خارج عن مدلول اللفظ، و لما اختصّ هذا النوع بأن إيجاد لفظه إيجاد لمعناه سمّي إنشاء، قال اللّه تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً [١] [الواقعة، ٣٥] أي أوجدناهن إيجادا.
(إنّا) إنّ واسمها، و الأصل إننا؛ فحذفت النون الثانية تخفيفا (أَنْشَأْناهُنَّ) فعل ماض و فاعل و مفعول، و الجملة فى موضع رفع على أنها خبر إنّ (إنشاء) مصدر مؤكد، و الضمير في (أَنْشَأْناهُنَّ)، قال قتادة: راجع إلى الحور العين المذكورات قبل، و فيه بعد، لأن تلك قصة قد انقضت جملة، و قال أبو عبيدة: عائد على غير مذكور، مثل حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص، ٣٢].
و الذي حسّن ذلك دلالة قوله سبحانه و تعالى: وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ [الواقعة، ٣٤] على المعنى المراد [و قيل: عائد على الفرش، و أن المراد الأزواج [٢]، و هن مرفوعات على
- مخاطبه ترك اللعب طلبا جازما، و لأن المتكلم بالاستفهام نحو أزيد
عندك طالب من مخاطبه أن ينبئه عن مضمون هذا الكلام، و إن كان الكلام لا يصح أن
يخبر عنه بأنه صدق أو كذب و كان مع ذلك لا يدل بالوضع على أن المتكلم به طالب من
المخاطب شيئا فهو الإنشاء، و هذا الإنشاء ينقسم إلى قسمين، و ذلك لأنه إما أن يدل
بدلالة الالتزام على الطلب، و إما ألا يدل على الطلب أصلا، لا بالوضع و لا
بالالتزام، و النوع الأول من هذين يشمل العرض، و التحضيض، و التمني، و الرجاء، و
النداء، و الجملة الأولى من جملتي القسم، و النوع الثاني يختص بالجمل الخبرية
المستعملة في الإنشاء مثل صيغ العقود، كبعت، و اشتريت، و وهبت، و تزوجت، و قبلت، و
هذا التقسيم غير مرضي عند محققي العلماء، و عندهم أن الكلام ينقسم إلى قسمين لا
ثالث لهما، و أنه إما خبر، و إما إنشاء.
[١] و قال أبو حيان: «و الضمير في أنشأناهن عائد على الفرش، في قول أبي عبيدة، إذ هن
النساء عنده، و على ما دل عليه الفرش إذا كان المراد بالفرش ظاهر ما يدل عليه من
الملابس التي تفرش و يضطجع عليها» اه. و حاصل هذا الكلام أن لفظ الفرش في قوله تعالى قبل الآية التي
تلاها المؤلف وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ إما أن يكون المراد به
ظاهره، و إما أن يكون المراد به النساء، فإن كان المراد به النساء فالضمير المنصوب
في (أَنْشَأْناهُنَّ) عائد إلى الفرش بهذا
المعنى، و إن كان المراد به ظاهره فالضمير عائد إلى النساء التي يشير إليها لفظ
الفرش من باب إطلاق اللفظ الدال على المحل و إرادة الحال فيه أو على ما يجاوره،
فهو على الوجهين يراد به النساء، و لكنه على الوجه الأول حقيقة، و التجوز في لفظ
الفرش، و على الوجه الأخير مجاز مرسل علاقته الحالية و المحلية أو المجاورة.
[٢] إطلاق الفرش على الأزواج مجاز، و هو من باب
إطلاق اسم المحل على الحال فيه كما قلنا آنفا، أو من باب إطلاق اسم الشيء على ما
يجاوره، فهو مجاز مرسل على الحالين غير أن علاقته الحالية و المحلية على الوجه
الأول، و علاقته المجاورة على الوجه الثاني.