شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٥٠
كقولك في وعد: يعد، و في وزن: يزن، و بهذا تعلم لأيّ شيء حذفت في يَلِدْ و ثبتت في يُولَدْ [١].
[معنى الكلام الاصطلاحي]
ثم قلت: و الكلام قول مفيد مقصود.
و أقول: للكلام معنيان اصطلاحي و لغوي: فأما معناه في الاصطلاح فهو: القول المفيد [٢]، و قد مضى تفسير القول، و أما المفيد فهو الدالّ على معنى يحسن السكوت
[١] أنت تقول: «أورق الشجر يورق، و أودع فلان يودع، و أولى يولي، و أوصى يوصي» بضم ياء
المضارعة و كسر ما بعد الواو، و لا تحذف الواو، و تقول «يوصي إلى فلان، و يوهب له، و يوعد بالخير، و يورث» بضم حرف المضارعة و
فتح ما بعد الواو لأن الفعل مبني للمجهول، و لا تحذف الواو أيضا، و تقول وضؤ فلان
يوضؤ، بفتح حرف المضارعة و ضم ما بعد الواو، و لا تحذف الواو أيضا، و تقول «وجل فلان يوجل» أي خاف، بفتح
حرف المضارعة و فتح ما بعد الواو، و لا تحذف الواو أيضا، فإذا قلت «وعد يعد، و وصف يصف، و ولي
يلي، و ورث يرث»- بفتح حرف المضارعة و كسر عين الكلمة- حذفت الواو في المضارع
وجوبا، و من هنا تعلم أن الاستعمال العربي دل على أن شرط حذف الواو وقوعها بين
الياء المفتوحة و الكسرة، و أنها لا تحذف فيما إذا كانت الياء مضمومة سواء أكان ما
بعد الواو مكسورا كالأمثلة المفتوحة و الكسرة، و أنها لا تحذف فيما إذا كانت الياء
مضمومة سواء أكان ما بعد الواو مكسورا كالأمثلة الأولى أم مفتوحا كالتي تليها، و
كذلك لا تحذف الواو إذا كانت الياء مفتوحة و كان ما بعد الواو مضموما أو مفتوحا؛
فهذه أربعة مواضع تثبت فيها الواو و لا تحذف.
[٢] بعض النحاة يقول في تعريف الكلام: «هو القول المفيد المركب
المقصود» فيذكر ثلاثة قيود- و هي: المفيد، و المركب، و المقصود، و معنى المفيد هو ما ذكره المؤلف، و
معنى المركب أن يكون مؤلفا تأليفا تاما لا يحتاج إلى ضم شيء إليه، بأن يكون من
اسمين أحدهما مسند إلى الآخر نحو زيد قائم، أو من فعل و اسم نحو قرأ زيد، و سافر
عمرو، فيخرج بهذا ما ليس مركبا بأن يكون مفردا، و ما كان مركبا ناقصا نحو إن قام
زيد، و معنى المقصود أن يكون المتكلم قد أراد ما نطق به من المركبات، فيخرج به
كلام النائم و الساهي فلا يسمى عند النحاة كلاما، و بعض النحاة يكتفي بذكر قيد
واحد فيقول: الكلام هو القول المفيد، و هذا هو الذي فعله المؤلف هنا في الشرح، و
هذا الفريق من النحاة يزعم أن «المفيد» يغني عن كل من المركب و المقصود، و ذلك لأنه لا يفيد الفائدة
المطلوبة إلا إذا كان مركبا، و لأن من معنى المفيد: أن يحسن سكوت المتكلم عليه، و
الذي يحسن سكوته يكون قاصدا ألبتة لما نطق به، و من هنا تعلم أن المؤلف في المتن
قد ذكر قيدا يستغنى عنه و هو المقصود، و ترك قيدا آخر يستغنى عنه أيضا و هو
المركب، و هو مؤاخذ على ذلك، لأنه لم يلتزم طريقا واحدا، و ذلك لأنه إن كان قد ترك
قيد التركيب في المتن للاستغناء عنه بالمفيد فما سر ذكره قيد القصد و هو مستغنى عنه
مثل التركيب؟ و إن كان قد ذكر القصد لأنه لم يعول على دلالة الالتزام فلما ذا لم
يذكر التركيب لهذا السبب؟ بقي أنه قد يقال: إنا وجدنا كلمة مفردة قد تكون قولا مفيدا، و ذلك
نحو «نعم» أو «لا» في
الجواب، كأن يقول لك قائل «أحضر عليّ» فتقول: «نعم»، أو تقول: «لا» فبطل
قولكم، إنه لا يكون قولا مفيدا إلا إذا كان مركبا، و الجواب عن ذلك أن نقول لك: إن
التركيب قد يكون ظاهرا و قد يكون مقدرا، و من التركيب المقدر ما ذكرت، فإن نعم في
قوة أن تقول: نعم حضر عليّ، و كذلك لا في قوة أن تقول: لا لم يحضر.