شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٤٥٢
معيّة، بل هي صالحة بوضعها لذلك كله؛ فمثال استعمالها في مقام الترتيب قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ [النساء، ١٦٣] و مثال استعمالها في عكس الترتيب نحو وَ عِيسى وَ أَيُّوبَ [النساء، ١٦٣] كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [الشورى، ٣] اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة، ٢١] اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران، ٤٣]، و مثال استعمالها في المصاحبة نحو فَأَنْجَيْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ [الشعراء، ١١٩]، و نحو فَأَخَذْناهُ وَ جُنُودَهُ [القصص، ٤٠] و نحو وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ [البقرة، ١٢٧].
و مثال إفادة الفاء للترتيب و التعقيب، و ثمّ للترتيب و المهلة قوله تعالى: أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ* ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [عبس، ٢١ و ٢٢]، فعطف الإقبار على الإماتة بالفاء، و الإنشار على الإقبار بثم، لأن الإقبار يعقب الإماتة، و الإنشار يتراخى عن ذلك.
و معنى «حتى» للغاية، و غاية الشيء: نهايته، و المراد أنها تعطف ما هو نهاية في الزيادة أو القلّة، و الزيادة إما في المقدار الحسي، كقولك: «تصدّق فلان بالأعداد الكثيرة حتى الألوف الكثيرة» أو في المقدار المعنوي، كقولك: «مات النّاس حتى الأنبياء» و كذلك القلة تكون تارة في المقدار الحسي، كقولك: «اللّه- سبحانه و تعالى- يحصى الأشياء حتى مثاقيل الذّرّ» و تارة في المقدار المعنوي، كقولك:
«زارني النّاس حتى الحجّامون».
و «أم» على قسمين: متصلة، و منقطعة، و تسمى أيضا منفصلة.
فالمتصلة هي: المسبوقة إما بهمزة التسوية، و هي: الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها، نحو سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة، ٦ و يس، ١٠] ألا ترى أنه يصح أن يقال: سواء عليهم الإنذار و عدمه، أو بهمزة يطلب بها و بأم التعيين، نحو: «أزيد في الدّار أم عمرو» و سميت «أم» في النوعين متصلة لأن ما قبلها و ما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
و المنقطعة: ما عدا ذلك، و هي بمعنى بل، و قد تتضمن مع ذلك معنى الهمزة، و قد لا تتضمنه.