شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٤٣٨
مثلنا، و يستثنى من ذلك «أجمع» و ما تصرّف منه، فلا يضفن لضمير؛ تقول:
«اشتريت العبد كلّه أجمع» و «الأمة كلّها جمعاء» و «العبيد كلّهم أجمعين» و «الإماء كلّهن جمع».
و يجب في النفس و العين إذا أكد بهما أن يكونا مفردين مع المفرد، نحو: «جاء زيد نفسه عينه» و «جاءت هند نفسها عينها» مجموعين مع الجمع، نحو: «جاء الزّيدون أنفسهم أعينهم» و «الهندات أنفسهنّ أعينهنّ»، و أما إذا أكد بهما المثنى ففيهما ثلاث لغات: أفصحها الجمع؛ فتقول: «جاء الزّيدان أنفسهما أعينهما» و دونه الإفراد، و دون الإفراد التثنية، و هي الأوجه الجارية في قولك: «قطعت رؤوس الكبشين».
مسألة: قال بعض العلماء في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر، ٣٠]: فائدة ذكر «كل» رفع وهم من يتوهم أن الساجد البعض، و فائدة ذكر «أجمعون» رفع وهم من يتوهم أنهم لم يسجدوا في وقت واحد، بل سجدوا في وقتين مختلفين، و الأول صحيح، و الثاني باطل؛ بدليل قوله تعالى: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر، ٣٩ و ص، ٨٢]؛ لأن إغواء الشيطان لهم ليس في وقت واحد؛ فدلّ على أنّ «أجمعين» لا تعرّض فيه لاتحاد الوقت، و إنما معناه كمعنى كل سواء، و هو قول جمهور النحويين، و إنما ذكر في الآية تأكيدا على تأكيد، كما قال اللّه تعالى:
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً [الطارق، ١٧].
ثم قلت: الثّاني النّعت، و هو: تابع مشتقّ أو مؤوّل به، يفيد تخصيص متبوعه أو توضيحه أو مدحه أو ذمّه أو تأكيده أو التّرحّم عليه، و يتبعه في واحد من أوجه الإعراب، و من التّعريف و التّنكير، و لا يكون أخصّ منه، فنحو «بالرّجل صاحبك» و أما البصريون الذين منعوا توكيد النكرة مطلقا فقالوا: إن جميع ألفاظ التوكيد معرفة، و إنه يجب أن يتوافق التوكيد و المؤكد في التعريف؛ فلو جوزنا توكيد النكرة للزم اختلاف التوكيد و المؤكد.
فتلخيص الخلاف إذن هو أنه هل يشترط اتحاد التوكيد و المؤكد في التعريف؟ قال جمهور البصريين: نعم، يشترط ذلك، و قال جمهرة الكوفيين: لا يشترط ذلك، و إنما يشترط حصول الفائدة، و ممن اختار مذهب الكوفيين- غير ابن مالك- المحقق الرضي و العلامة الشاطبي.