شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٤٠٦
و أما الكوفيّون فلا يجيزون إعمال شيء من الخمسة، و متى وجدوا شيئا منها قد وقع بعده منصوب أضمروا له فعلا، و هو تعسف.
[الرابع: اسم المفعول]
ثم قلت: الرّابع اسم المفعول، و هو: ما اشتقّ من فعل لمن وقع عليه كمضروب و مكرم.
و أقول: الرابع من الأسماء العاملة عمل الفعل، اسم المفعول.
و في قولي في حده «ما اشتقّ من فعل» من المجاز ما تقدم شرحه في حد اسم الفاعل.
و قولي «لمن وقع عليه» مخرج للأفعال الثلاثة، و لاسم الفاعل، و لا سمي الزمان و المكان، و قد تبين [شرح] ذلك مما تقدم.
و مثلت بمضروب و مكرم لأنبه على أن صيغته من الثلاثي على زنة مفعول كمضروب و مقتول و مكسور و مأسور، و من غيره بلفظ مضارعه بشرط ميم مضمومة مكان حرف المضارعة [و فتح ما قبل آخره] كمخرج و مستخرج.
ثم قلت: و شرطهما كاسم الفاعل.
و أقول: أي شرط إعمال المثال و إعمال اسم المفعول كشرط إعمال اسم الفاعل على التفصيل المتقدم في الواقع صلة لأل و المجرد منها، و قد مضى ذلك.
[الخامس: الصفة المشبهة]
ثم قلت: الخامس الصّفة المشبّهة، و هي: كلّ صفة صحّ تحويل إسنادها إلى ضمير موصوفها، و تختصّ بالحال، و بالمعمول السّببيّ المؤخّر، و ترفعه فاعلا أو بدلا، أو تنصبه مشبّها أو تمييزا، أو تجرّه بالإضافة إلّا إن كانت بأل و هو عار منها.
و أقول: الخامس من الأسماء العاملة عمل الفعل: الصفة المشبهة، و هي عبارة عما ذكرت.
و مثال ذلك قولك «زيد حسن وجهه» بالنصب أو بالجر؛ و الأصل وجهه بالرفع؛ لأنه فاعل في المعنى؛ إذ الحسن في الحقيقة إنما هو للوجه، و لكنك أردت المبالغة فحوّلت الإسناد إلى ضمير زيد، فجعلت زيدا نفسه حسنا، و أخرت الوجه فضلة و نصبته على التشبيه بالمفعول به؛ لأن العامل و هو «حسن» طالب له من حيث
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، ص: ٤٠٧
المعنى؛ لأنه معموله الأصلي، و لا يصح أن ترفعه على الفاعلية- و الحالة هذه- لاستيفائه فاعله، و هو الضمير، فأشبه المفعول في قولك: «زيد ضارب عمرا»؛ لأن ضاربا طالب له، و لا يصح أن ترفعه على الفاعلية، فنصب لذلك.
فالصفة مشبّهة باسم الفاعل المتعدي لواحد، و منصوبها يشبه مفعول اسم الفاعل، و قد تقدمت الإشارة إلى هذا التقدير.
ثم لك بعد ذلك أن تخفضه بالإضافة، و تكون الصفة حينئذ مشبهة أيضا لأن الخفض ناشئ- على الأصح- عن النصب، لا عن الرفع؛ لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه؛ إذ الصفة أبدا عين مرفوعها و غير منصوبها فافهمه.
[الصفة المشبهة تفارق اسم الفاعل من أربعة أوجه]
و تفارق هذه الصفة اسم الفاعل من وجوه:
أحدها: أنها لا تكون إلا للحال، و أعني به الماضي المستمر إلى زمن الحال، و اسم الفاعل يكون للماضي و للحال و للاستقبال.
و الثاني: أن معمولها لا يكون إلا سببيّا، و أعني به ما هو متصل بضمير الموصوف لفظا أو تقديرا، و اسم الفاعل يكون معموله سببيّا و أجنبيّا؛ تقول في الصفة المشبهة:
«زيد حسن وجهه» و «زيد حسن الوجه» أي: الوجه منه، أو «وجهه» فهو إما على نيابة «أل» مناب الضمير المضاف إليه أو على حذف الضمير من غير نيابة عنه، و لا تقول «زيد حسن عمرا» كما تقول: زيد ضارب عمرا.
الثالث: أن معمولها لا يكون إلا مؤخرا عنها، تقول: «زيد حسن وجهه» و لا تقول «زيد وجهه حسن» و معمول اسم الفاعل يكون مؤخرا عنه و مقدما عليه، تقول «زيد غلامه ضارب».
[١] قد جوز عامة العلماء أن نقول: «زيد بك فرح» على أن يكون «زيد» مبتدأ، و «بك» جارّا و مجرورا متعلقا بفرح، و «فرح» خبر المبتدأ، و قد رووا أن العرب تقول مثل ذلك.
و قد ذهب ابن الناظم إلى أن تجويز العلماء ذلك ينقض ما اتفقوا عليه من أن معمول الصفة المشبهة لا يكون إلا سببيّا: أي اسما ظاهرا متصلا بضمير يعود على الموصوف لفظا أو تقديرا، كما ينقض ما اتفقوا عليه أيضا من أن معمول الصفة المشبهة لا يقدم عليها، و ذلك لأن «بك» في المثال الذي ذكرناه ليس سببيّا، و هو متقدم على الصفة المشبهة.-