شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣١٧
قلت: هو كما ذكرت، و لكنه لم يجعل علة لها، و إنما جعل علة لاجتماع الأمور الأربعة للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم- و هي المغفرة، و إتمام النعمة، و الهداية إلى الصراط المستقيم، و حصول النصر العزيز- و لا شك [في] أن اجتماعها له حصل حين فتح اللّه تعالى مكة عليه.
و إنما مثّلت بهذه الآية لأنها قد يخفي التعليل فيها على من لم يتأملها.
الثانية: لام العاقبة؛ و تسمى أيضا لام الصّيرورة، و لام المآل، و هي التي يكون ما بعدها نقيضا لمقتضى ما قبلها، نحو: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً [القصص، ٨] فإن التقاطهم له إنما كان لرأفتهم عليه، و لما ألقى اللّه تعالى عليه من المحبة فلا يراه أحد إلا أحبّه؛ فقصدوا أن يصيّروه قرّة عين لهم، فآل بهم الأمر إلى أن صار عدوّا لهم و حزنا.
الثالثة: اللام الزائدة، و هي: الآتية بعد فعل متعدّ، نحو: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء، ٢٦] إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [الأحزاب، ٣٣] وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام، ٧١] فهذه الأقسام الثلاثة يجوز لك إظهار «أن» بعدهن، قال اللّه تعالى: وَ أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ [الزمر، ١٢].
الرابعة: لام الجحود، و هي الآتية بعد كون ماض منفيّ، كقول اللّه تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران، ١٧٩] وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران، ١٧٩] و هذه يجب إضمار «أن» بعدها.
[١] من هذا الكلام و ما سيذكره الشارح في مباحث حروف العطف التي تضمر أن بعدها يتبين لك أن إضمار أن على ثلاثة أقسام:
الأول: إضمار واجب- على معنى أنه لا يجوز لك أن تأتي بأن في الكلام- و ذلك مع حتى، و كي التعليلية، و واو المعية، و فاء السببية.
الثاني: إضمار ممتنع- و ذلك على معنى أنه يجب عليك أن تأتي بأن في الكلام- و ذلك فيما إذا سبقتها لام التعليل و أتت بعدها لا النافية نحو قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ فإن «أن» ههنا موجودة في اللفظ إلا أن نونها مدغمة في لام «لا» النافية.
الثالث: إضمار جائز- على معنى أنه يجوز لك أن تأتي بأن في الكلام و يجوز لك ألا تأتي بها- و ذلك بعد لام التعليل إذا لم تقع بعدها لا النافية، نحو ذاكر لتنجح، و يجوز لأن تنجح، و بعد الحروف العاطفة على اسم خالص (و انظر ص ٣١٨ الآتية).