شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣١٦
مُوسى [طه، ٩١] و ليس النصب بحتى نفسها، خلافا للكوفيين، و لا يجوز إظهار أن بعدها في شعر و لا نثر.
و يشترط لإضمار أن بعدها: أن يكون الفعل مستقبلا بالنظر إلى ما قبلها، سواء كان مستقبلا بالنظر إلى زمن التكلم، أو لا؛ فالأول كقوله تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى [طه، ٩١] ألا ترى أن رجوع موسى عليه السّلام مستقبل بالنظر إلى ما قبل حتى، و هو ملازمتهم للعكوف على عبادة العجل، و كذلك قولك:
(أسلمت حتى أدخل الجنة) و الثاني كقوله تعالى: وَ زُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة، ٢١٤] في قراءة من نصب (يقول) فإن قول الرسول و المؤمنين مستقبل بالنظر إلى الزّلزال، لا بالنظر إلى زمن الإخبار، فإن اللّه عز و جل قصّ علينا ذلك بعد ما وقع.
و لو لم يكن الفعل الذي بعد «حتى» مستقبلا بأحد الاعتبارين امتنع إضمار أن، و تعين الرفع، و ذلك كقولك «سرت حتى أدخلها» إذا قلت ذلك و أنت في حالة الدخول، و من ذلك قولهم: «شربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه» و «مرض زيد حتى لا يرجونه» فإن المعنى حتى حالة البعير أنه يجيء يجر بطنه و حتى حالة المريض أنهم لا يرجونه، و من الواضح فيه أنك تقول: «سألت عن هذه المسألة حتى لا أحتاج إلى السّؤال» أي: حتى حالتي الآن أنني لا أحتاج إلى السؤال عنها.
[الثاني: اللام، و هي على أربعة أقسام]
و أما اللام فلها أربعة أقسام:
أحدها: اللام التعليلية، نحو: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [النحل، ٤٤] و منه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ [الفتح، ١ و ٢].
فإن قلت: ليس فتح مكة علة للمغفرة.
[١] اعلم أن «حتى» التي ينتصب الفعل المضارع بعدها لها معنيان: الأول التعليل، و هذا إذا كان ما قبلها علة لما بعدها، و المراد بالعلة في هذا الموضع الأمر الذي يفضي و يؤدي إلى آخر، و نحو قولك: أسلم حتى تدخل الجنة، و قولك: ذاكر حتى تنجح، و قولك: اصدق حتى يثق بك الناس، ألا ترى أن الإسلام يؤدي إلى دخول الجنة و المذاكرة تؤدي إلى النجاح و الصدق يؤدي إلى ثقة الناس بالصادق؟ و الثاني من معنيي حتى الغاية، و ذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها: أي أن ما قبلها لا ينقطع إلا عند حصول ما بعدها، نحو قولك: لأسيرن حتى تطلع الشمس، و لأذاكرن حتى أتقن الدرس، و لأد أبن على العمل حتى أدرك غاية الأمل، و الآية الأولى من الآيتين الكريمتين تحتمل حتى فيها كل واحد من المعنيين، أما الآية الثانية فحتى فيها للغاية ليس غير.