شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٣١٤
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون، ٢٧] وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي [المائدة، ١١١] وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا [ص، ٦]، أي انطلقت ألسنتهم بهذا الكلام.
بخلاف نحو: وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [يونس، ١٠]؛ فإن المتقدم عليها غير جملة؛ و بخلاف نحو: ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة، ١١٨] فليست «أن» فيها مفسرة لقلت، بل لأمرتني، و بخلاف نحو:
«كتبت إليه بأن أفعل».
و مثال ما انتفى عنه الشرط الثاني قوله تعالى: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى [المزمل، ٢٠] أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا [طه، ٨٩] وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ [المائدة، ٧١] فيمن قرأ برفع (تكون) ألا ترى أنها في الآيتين الأوليين وقعت بعد فعل العلم؛ أما في الآية الأولى فواضح، و أما في الآية الثانية فلأن مرادنا بالعلم ليس لفظ ع ل م، بل ما دلّ على التحقيق؛ فهي فيهما مخففة من الثقيلة، و اسمها محذوف، و الجملة بعدها في موضع رفع على الخبرية، و التقدير: علم أنه سيكون، أ فلا يرون أنه لا يرجع إليهم قولا، و في الآية الثالثة وقعت بعد الظن؛ لأن الحسبان ظنّ، و قد اختلف القراء فيها؛ فمنهم من قرأ بالرفع، و ذلك على إجراء الظن مجرى العلم، فتكون مخففة من الثقيلة، و اسمها محذوف، و الجملة بعدها خبرها، و التقدير: و حسبوا أنّها لا تكون فتنة، و منهم من قرأ بالنصب على إجراء الظن على أصله و عدم تنزله منزلة العلم، و هو الأرجح، فلهذا أجمعوا على النصب في نحو: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [البقرة، ٢١٤] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا [التوبة، ١٦] أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [العنكبوت، ٢] تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [القيامة، ٢٥] و يؤيد القراءة الأولى أيضا قوله تعالى: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ [القيامة، ٣] أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد، ٥] أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [البلد، ٧] ألا ترى أنها فيهن مخففة من الثقيلة، إذ لا يدخل الناصب على ناصب آخر، و لا على جازم.
ثم قلت: و تضمر «أن» بعد ثلاثة من حروف الجرّ، و هي: كي، نحو: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً و حتّى: إن كان الفعل مستقبلا بالنظر إلى ما قبلها نحو: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى و «أسلمت حتى أدخل الجنة»، و اللام: تعليليّة مع المضارع