شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢٨٦
فالياء في موضع نصب؛ بدليل لحاق نون الوقاية قبلها، و حكى الجرميّ، و الرّبعيّ، و الأخفش الجرّ بعد ما خلا و ما عدا، و هو شاذ؛ فلهذا لم أحفل بذكره في المقدمة.
فإن قلت: لم وجب عند الجمهور النصب بعد «ما خلا» و «ما عدا»؟ و ما وجه الجر الذي حكاه الجرمي و الرجلان؟
قلت: أما وجوب النصب فلأن «ما» الداخلة عليهما مصدرية، و «ما» لا تدخل إلا على الجملة الفعلية، و أما جواز الخفض فعلى تقدير «ما» زائدة لا مصدرية، و في ذلك شذوذ؛ فإن المعهود في زيادة «ما» مع حرف الجر: أن لا تكون قبل الجار و المجرور، بل بينهما، كما في قوله تعالى: عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ [المؤمنون، ٤٠] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة، ١٣] مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح، ٢٥].
و قولي «مطلقا» راجع إلى المسائل الأربع، أي: سواء تقدّم الإيجاب أو النفي أو شبهه.
الخامسة: أن تكون الأداة «إلا» و ذلك في مسألتين:
إحداهما: أن تكون بعد كلام تام موجب، و مرادي بالتام أن يكون المستثنى منه منصوب بيهوى، و التقدير: بكل الذي يهواه نديمي، «مولع» خبر إن مرفوع بالضمة الظاهرة.
الشّاهد فيه: قوله «ما عداني» فإن عدا في هذا الموضع فعل.
و الدليل على أن «عدا» ههنا فعل- و ليست حرفا- أمران:
أولهما: سبقها بما المصدرية، على النحو الذي قررناه في الشاهد السابق.
و ثانيهما: مجيء نون الوقاية قبل ياء المتكلم، و قد علم أن نون الوقاية لا تجيء إلا مع الأفعال، نحو ضربني و يضربني و اضربني، فأما مع الحرف فإنها تمتنع إلا مع من و عن خاصة تقول: لي، عليّ، إليّ؛ فلو أن الشاعر لحظ أن عدا حرف كهذه الحروف لقال «عداي» فلما قال «عداني» علمنا أنه اعتبره فعلا، و هذا واضح إن شاء اللّه.
و إذا ثبت أن «عدا» فعل، و كان من المسلم به أن فاعل هذا الفعل مستتر فيه وجوبا على ما سبق
[١] هو في قوله أول الباب «التاسع المستثنى بليس أو بلا يكون أو بما خلا أو بما عدا- مطلقا».