شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢٥٦
فإن فاعل «تعروني» هو الهزّة، و فاعل الذّكرى هو المتكلم؛ لأن التقدير لذكرى إياك.
[الرابع: المفعول فيه]
ثم قلت: الرّابع المفعول فيه، و هو: ما ذكر فضلة لأجل أمر وقع فيه: من زمان المسالك (رقم ٢٥٣) و كذلك في قطر الندى (رقم ١٠٢)، و أنشده ابن عقيل (رقم ٢٤٠).
اللّغة: «تعروني» تنزل بي و تصيبني، «ذكراك» الذكرى- بكسر الذال- التذكر و الخطور بالبال، «هزة» بكسر الهاء أو فتحها- حركة و اضطراب، «انتفض» تحرك و اضطرب «القطر» المطر.
الإعراب: «إني» إن: حرف توكيد و نصب، و ياء المتكلم اسمه، «لتعروني» اللام هي اللام المزحلقة، و ما بعدها فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو منع من ظهورها الثقل، و النون للوقاية، و ياء المتكلم مفعول به، «لذكراك» اللام جارة، ذكرى: مجرور باللام، و الجار و المجرور متعلق بتعرو، و ذكرى مضاف و الكاف ضمير المخاطبة مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، و فاعل المصدر محذوف، و أصل الكلام: لذكري إياك، «هزة» فاعل تعرو، «كما» الكاف حرف جر، و ما: مصدرية «انتفض» فعل ماض، «العصفور» فاعله، و ما المصدرية مع ما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور بالكاف، و الجار و المجرور متعلق بمحذوف صفة لهزة، و تقدير الكلام: هزة كائنة كانتفاض العصفور، «بلله» بلل فعل ماض، و الهاء ضمير الغائب العائد إلى العصفور مفعول به، «القطر» فاعل بلل، و الجملة من الفعل و الفاعل و المفعول في محل نصب حال، و الكثير في مثلها أن تكون مقترنة بقد، فتقول: كما انتفض العصفور قد بلله القطر، أو بقد و الواو جميعا، نحو قوله سبحانه و تعالى وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد، ٦]، و نحو قوله جل ذكره: وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي [الأحقاف، ٢١] و قوله سبحانه وَ اذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَ قَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ [الأحقاف، ٧]، أو بالواو وحدها نحو قوله تعالى:
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا [آل عمران، ١٦٨].
الشّاهد فيه: قوله «لذكراك» فإن اللام حرف دال على التعليل، و قد وجب على الشاعر أن يجر به الذكرى، لما اختلف فاعل الذكرى، و فاعل العامل، و بيان ذلك أن الذكرى مصدر، و هو علة لعرو الهزة، لكن فاعل الذكرى هو المتكلم، و فاعل العرو- الذي هو العامل- هو قوله هزة، فلما اختلف فاعل المصدر- الذي هو علة- و فاعل المعلل وجب أن يجره بحرف دال على التعليل، و لم يجز له أن ينصبه مفعولا لأجله، و هكذا فعل.