شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢٤
له أصالته و نفاسته، و بقي- مع ذلك- من أهل البلاد جماعة لم تلن قناتهم، و لم تتحطم أعوادهم، و لم تفتر عزائمهم، و لم يخدعهم ذلك البريق، و لكنهم تطامنوا للعاصفة الهوجاء و قبعوا في أماكنهم- لا ضعفا و لا استكانة، و لا رهبة و لا خوفا، و لا رضا بما عليه الناس من حولهم- ليعدوا أنفسهم و ليهيئوا الجو الصالح، و ليبصروا قومهم في حذر و ترقب، حتى إذا اكتمل الوعي و جاء وعد الانتفاضة هبّوا، فإذا الناس يهبّون معهم من كل جانب، و إذا معدن الشرق الأصيل الكريم يظهر على حقيقته، و إذا أبناء الشرق جميعا يتقدمون للعمل و ينتظرون التوجيه، و إذا الاستعمار يتخاذل و يستخذي و يتضاءل، ثم إذا هو يضع عصاه على كتفه و يحاول النجاء.
و يتلفت المصلحون و ينظرون فيما يعيدهم أمة قوية حية ناهضة عزيزة مرهوبة الجانب، فيجدون أن لا مناص لهم من العودة إلى الماضي المجيد، يصلون به حاضرهم و يبنون عليه مستقبلهم، الماضي المجيد بوحدته التي تصمد و تتعاون و تتساند و تتكافل، و يكون معها الجميع كجسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر و الحمى، و بحضارته التي بهرت أنظار العالم و لم تبخل على أحد بشيء منها، و لم تحاول التغرير بأحد و لا استغلاله و لا الاستعلاء عليه، و لم تدّع لنفسها ما ليس لها، و لا زيفت التاريخ و غضت من حضارات سبقتها و اقتبست هي منها، لأنها غنية بمفاخرها و أمجادها، فليست بها حاجة إلى أن تسلب أمجاد غيرها و لا مفاخرهم، و لأنها حضارة بنيت على مكارم الأخلاق و احترام المثل العليا، و ليس من مكارم الأخلاق و لا من احترام المثل العليا أن تنسب لنفسها ما هو من صنيع غيرها» [١].
ثم يضيف:
«و قد أظهر ناشر هذا الكتاب من البراعة و الحذق في اختياره، في هذه الفترة التي نجتازها اليوم، ما هو خليق بالتقدير و الثناء، فنحن في حاجة ماسة إلى نظرة فاحصة في تشريعاتنا في الدماء و الأموال و الأحوال الشخصية، و نحن في حاجة ماسة إلى أن يطلع أهل الرأي منا على آراء الشريعة الإسلامية و قواعدها العامة في ذلك كله، و نحن في
[١] من مقدمة كتاب «الطرق الحكمية» لابن قيم الجوزية.