شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢٣
يستوجب الحماية، و كان من أهم ما يعني الاستعمار و شياطين الاستعمار و أذناب الاستعمار أن يقطعوا الصلة التي تربط الشرق بماضيه المشرق المنير، و أن يحولوا بينه و بين التطلع إلى حضارته التي أضاءت العالم كله يوم كانت قيادة العالم في أيدي أهل الشرق، و يوم كانت قيادة العالم في أيدي العرب من أهل الشرق خاصة، ذلك لأنهم يعلمون أن الشرق الإسلامي و العرب منه خاصة- إن تلفتوا إلى هذا الماضي المجيد رأوا إشراقه و بهاءه فتاقت أنفسهم إلى العودة إليه، و قد يعملون على إعادته، و حينئذ لا يكون لبقاء الاستعمار بينهم مجال، و يعلمون- مع ذلك أنه ما من أمة انقطعت صلة ما بين حاضرها و ماضيها- و بخاصة إذا كان هذا الماضي مشرقا مجيدا- إلا صار أمرها إلى فناء.
و طال على الشرق هذا الليل البهيم حتى نال الاستعمار بعض أمانيه، بالإرهاب و الجبروت حينا، و بالخديعة و المكر و الدسائس حينا آخر، فإذا وحدة الشرق تتفتت، و إذا كل قطعة من هذا الفتات دولة، و إذا بأس هذه الدول بينهم شديد، و إذا الجفاء و البغيضة يحلان محل الإلاف و الوحدة، و إذا مجدهم التليد و حضارتهم الرفيعة و تاريخ هذه الحضارة و علومها و رجالها في زوايا النسيان، و قد أخذهم بريق من حضارة الغرب يفتن أبصارهم، بريق ليس هو بالنور الساطع الذي يبدد غياهب الظلام، و لا هو بالنور الذي يعقبه ضوء ينتشر في الأفق فإذا الناس يسيرون فيه آمنين، و لكنه بريق يشبه بريق السراب الخادع الذي تراه فتحسبه شيئا فإذا جئته لم تجده شيئا، و خدعهم هذا البريق عن حضارتهم و تاريخها و علومها، و لم ينالوا به شيئا ذا بال من حضارة الغرب و علومها ذات الأثر الفعال في بناء الأمم و تجديدها و بعث الحياة في أوصالها، و إذا المتعلمون و المثقفون من أبناء هذه البلاد التي كانت مبعث العلم و الثقافة أقلية قليلة بقدر ما يحتاج إليه المستعمر في وظائف الدولة التي يزهد رجاله في تقلدها، و إذا علم هذه الأقلية و ثقافتها ضئيلان بقدر ما يجعلها آلات يديرها الاستعمار و يحركها في أهوائه، تسير إذا أراد أن تسير، و تقف كلما أراد لها الوقوف.
و لأمر أراده اللّه، و لم تكن للاستعمار فيه يد، بقي معدن هذه البلاد و أهليها سليما نقيّا صالحا للعمل إذا نفض عنه الغبار، و أزيل ما علق به من الصدأ، و جلي جلاء يعيد