شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢٢
«و نذكر لك عملنا في هذا الكتاب لتدرك مقدار الجهد المضني الذي بذلناه في إخراجه على هذه الصورة التي نتمنى أن تخرج عليها الكتب العربية، بل كتب الثقافة الإسلامية عامة؛ لتنقطع ألسنة الأفاكين الذين يتهمون آباءنا بقلة الإنتاج الصحيح، و إذا اعترف أحدهم لهم ذكر في جانب اعترافه هذا أن الإنتاج محدود لا أثر فيه لشخصية المنتج، و لا برهان فيه على الاستقلال و الحرية الفكرية، في الوقت الذي يسطو هو على إنتاجهم و عصارة أذهانهم فينتحلها و ينسبها لنفسه، و هو بمأمن من أن يعرف ذلك سواد الناس و دهماؤهم؛ لأنهم لا يقرؤون هذه الكتب» [١].
و هو يمدك برؤية تحليلية عن واقع الأمة، و ما تعانيه من عجز عن اللحاق بركب التقدم، و تبوّء المكانة التي تلائم إمكاناتها و الأمانة التي حملت إياها في مقال مجمل و إن كان جامعا؛ فيقول:
«مضى على الشرق الإسلامي حين من الدهر كان سيف الاستعمار مصلتا فوق رقاب أهله: يرهبهم و يخيفهم، و يستأثر دونهم بخيرات بلادهم، و يلفتهم عن السعي المثمر، و يحول بينهم و بين العمل النافع، و يحملهم على ما يرضاه لهم من الحياة الرتيبة التي لا جدّ فيها و لا دأب. و كانت شياطين الاستعمار و أذنابه الذين يجلبهم من نفايات الأمم و أراذلها يجوسون خلال ديارهم و يخالطونهم و يتوددون إليهم، و قد يتملقونهم، و ليس في نفوسهم من الود و الملق شيء، و لكن ليخدعوهم عن أنفسهم و ليستجلبوا إقبالهم عليهم و اطمئنانهم لهم، فلا يزالون يختلونهم و يغرّرون بهم حتى إذا رأوا أن قد جازت حيلهم أخذوا يزينون لهم التواكل و الخضوع، ثم أخذوا يزهدونهم في تقاليدهم و مقدساتهم، ثم أخذوا يشككونهم في معتقداتهم، و يزعمون لهم أن هذه التقاليد و المقدسات و المعتقدات السبب الأول في تخلفهم و ضعفهم، و تحكّم الأجنبي فيهم، ثم أخذوا يلوحون لهم بحضارة الغرب و تقدمه و قوته، فإذا استشرفت أنفسهم لشيء من هذه الحضارة جلبوا لهم منها البهرج الزائف و ما يكون سببا قريبا للانحلال و التخاذل، و الاستعمار من ورائهم يغريهم و يشجعهم و يحميهم إن جدّ ما
[١] من مقدمة كتاب «المثل السائر في أدب الكاتب و الشاعر» السابق.