شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢١٤
و أقول: الخامس من المرفوعات: اسم كان و أخواتها الاثنتي عشرة المذكورة، فإنهن يدخلن على المبتدأ و الخبر، فيرفعن المبتدأ، و يسمى اسمهن حقيقة، و فاعلهن مجازا، و ينصبن الخبر، و يسمى خبرهن حقيقة، و مفعولهن مجازا.
ثم هنّ في ذلك على ثلاثة أقسام:
(١) ما يعمل هذا العمل بلا شرط، و هي ثمانية: كان و ليس و ما بينهما.
(٢) و ما يشترط أن يتقدم عليه نفي أو شبهه- و هو النهي و الدعاء- و هي أربعة:
زال، و برح، و فتئ، و انفكّ، نحو وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود، ١١٨] لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ [طه، ٩١] و تقول: «لا تزل ذاكر اللّه» و «لا برح ربعك مأنوسا»، و «لا زال جنابك محروسا» و يشترط في «زال» شرط آخر، و هو أن يكون ماضي يزال؛ فإن ماضي يزول فعل تامّ قاصر بمعنى الذهاب و الانتقال، نحو: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر، ٤١]، و «إن» الأولى في الآية شرطية، و الثانية نافية، و ماضي يزيل فعل تام متعدّ بمعنى ماز يميز، يقال: زال زيد ضأنه من معز فلان: أي ميّزه منه.
(٣) و ما يشترط أن يتقدم عليه «ما» المصدرية النائبة عن ظرف الزمان و هو «دام» و إلى ذلك أشرت بالتمثيل بالآية الكريمة، كقوله سبحانه و تعالى: وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [مريم، ٣١] أي مدّة دوامي حيّا؛ فلو قلت: «دام زيد
[١] تسمى «ما» هذه المصدرية الوقتية؛ أما وجه تسميتها بالمصدرية فلأنها تؤول مع صلتها بمصدر، و هو الدوام، و أما تسميتها بالوقتية فلنيابتها مع صلتها عن الوقت، و هو المدة، و هي تفيد توقيت دوام ثبوت الخبر للمبتدأ بمدة.
و مما ينبغي أن تتنبه له أن «ما» كلما كانت وقتية فهي مصدرية ألبتة، و لا يلزم من أن تكون مصدرية أن تكون وقتية، بل قد تكون مصدرية فقط، نحو مثال الشارح، و نحو قول الشاعر:
يسرّ المرء ما ذهب اللّيالي
و كان ذهابهنّ له ذهابا