شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ٢١٢
و التأخير، و ذلك لا يمكنهم في البيت [الأول] إذ لا يخبر عن المثنى بالمفرد، و أعمّ من أن يكون ذلك المرفوع فاعلا كما في البيتين، أو نائبا عن الفاعل كما في قولك «أمضروب الزيدان».
و خرج عن قولي «مكتفى به» نحو «أقائم أبواه زيد» فليس لك أن تعرب أقائم مبتدأ، و أبواه فاعلا أغنى عن الخبر؛ لأنه لا يتم به الكلام، بل زيد: مبتدأ [مؤخر] و قائم: خبر مقدم، و أبواه: فاعل به.
[لا يبتدأ بنكرة إلا إن عمت أو خصت]
ثم قلت: و لا يبتدأ بنكرة إلّا إن عمّت نحو «ما رجل في الدّار» أو خصّت نحو «رجل صالح جاءني» و عليهما وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ [البقرة، ٢٢١].
و أقول: الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة، و لا يكون نكرة إلا في مواضع خاصة تتبّعها بعض المتأخرين، و أنهاها إلى نيّف و ثلاثين، و زعم بعضهم أنها ترجع إلى الخصوص و العموم.
فمن أمثلة الخصوص أن تكون موصوفة: إما بصفة مذكورة، نحو وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ [البقرة، ٢٢١] وَ لَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ [البقرة، ٢٢١] أو بصفة مقدرة، كقولهم: السّمن منوان بدرهم؛ فالسمن: مبتدأ أوّل، و منوان:
مبتدأ ثان، و بدرهم: خبره، و المبتدأ الثاني و خبره خبر المبتدأ الأول، و المسوّغ للابتداء بمنوان أنه موصوف بصفة مقدرة: أي منوان منه.
و منها: أن تكون مصغّرة، نحو رجيل جاءني؛ لأن التصغير وصف في المعنى بالصغر؛ فكأنك قلت: رجل صغير جاءني.
و منها: أن تكون مضافة، كقوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «خمس صلوات كتبهنّ اللّه على العباد».
و منها: أن يتعلق بها معمول، كقوله صلّى اللّه عليه و سلّم: «أمر بمعروف صدقة، و نهى عن
[١] منوان: تثنية منا بوزن عصا، كما تقول: عصوان، في تثنية العصا، و قد يقال فيه: من- بفتح الميم و تشديد النون- و المنا: مقدار مخصوص من الموازين كالرطل، و هو يزن رطلين تقريبا، و سيأتي شرح المؤلف لهذه الكلمة في باب التمييز بما لا يخرج عما قلناه.