شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٩٥
ثم قلت: و لا يحذفان، بل يستتران، و يحذف عاملهما: جوازا، نحو «زيد» المعنى: يريد أن أعداءه قد دبروا له ليوقعوه في شر يتفاقم خطبه و يتطاير شرره، و أن المقادير هيأت له من ينذره بما بيتوه له، فكان ذلك سببا في حفظه من الوقوع في الشر.
الإعراب: «أتيح» فعل ماض مبني للمجهول، «لي» جار و مجرور، و هو نائب فاعل أتيح، «من العدا» جار و مجرور متعلق بمحذوف حال من قوله نذيرا الآتي، و كان أصله صفة له؛ فلما تقدم عليه أعرب حالا، «نذيرا» مفعول به ثان لأتيح منصوب بالفتحة الظاهرة، «به» جار و مجرور متعلق بوقيت الآتي، «وقيت» وقي: فعل ماض مبني للمجهول، و تاء المتكلم نائب فاعل، «الشر» مفعول ثاني لوقي، و مفعوله الأول هو نائب الفاعل، «مستطيرا» حال من الشر.
الشّاهد فيه: قوله «أتيح لي نذيرا» فإن أتيح فعل ماض مبني للمجهول، و أصل هذا الفعل و هو مبني للمعلوم يتعدى إلى مفعولين يصل لأحدهما بنفسه و للآخر باللام، فتقول: أتاح اللّه لي ظروفا حسنة، فلفظ الجلالة هو الفاعل، و الجار و المجرور أحد المفعولين، و ظروفا: هو المفعول الثاني، و لو أردت أن تبني هذا الفعل للمجهول في مثالنا كنت تقول: أتيحت لي ظروف حسنة؛ فتغير صورة الفعل، و تسنده إلى المفعول الذي كان يتعدى إليه بنفسه، و تترك الجار و المجرور، إلا أن هذا الشاعر لما بنى الفعل للمجهول أسنده إلى الجار و المجرور مع ذكر المفعول به؛ بدليل أن هذا المفعول به منصوب، و هذا جائز عند الكوفيين و الأخفش، و مقصور على ضرورة الشعر عند سائر البصريين.
و مما ورد منه و استدل به أنصار الكوفيين و الأخفش قول جرير يهجو الفرزدق:
و لو ولدت قفيرة جرو كلب
لسبّ بذلك الجرو الكلابا