شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٩
يشفي العلة و يبرئ السقم، و لا عجب بعد ذلك أن يتطرق به الحديث كلما تحدث أو كتب عن واحد من تلك القضايا أو عنها جميعا، و لكيما ندنيك من اليقين بصدق ما قدمنا فلتنصت إليه و هو يحدثك:
«أما بعد؟ فإن بي من حب العربية و الشغف بها ما يدفعني إلى احتمال المصاعب، و الرضا بركوب المخاطر و الأهوال، و بذل النفيسين: الوقت و الراحة، و إني لأجد من السرور بهذا ما لا يبلغ معشاره غريب ألقى بين أهله عصا الترحال، أو محبّ لقي حبيبه بعد طول افتراق، و واصله بعد طول تجنّ و صدود، و قد أخذت على عاتقي أن أقوم لهذه اللغة بما يسعه جهدي من خدمة، فلم أجد أنبل مقصدا، و لا أسمى غرضا، و لا أقرب عند اللّه قبولا، من أن أتوفر على كتب أسلافنا من علماء هذه اللغة، فأحققها و أحاول ردها إلى الصورة التي خرجت عليها من أيدي مؤلفيها قبل أن يصيبها تحريف النسّاخ و تصحيف الناشرين، أو مسخهم.
و أردت أن أجمع بذلك بين خلال أربع:
أولاها: أن أبتعد عن الغرور بالنفس و التفاخر بالتأليف.
و ثانيتها: أن أظهر شباب هذه الأمة على تراثنا الذي ورثناه عن آباء لنا كانوا قادة العالم و أهل الرأي فيه، يوم كان الناس كلهم يتيهون في بيداوات الجهالة، و يعيشون عيش السائمة و الأنعام، و أنا أعلم أن شبابنا اليوم ليس لهم الصبر و الجلد على قراءة هذه الذخائر في منظرها الذي يختاره لهم الورّاقون و تجار الكتب، و إن من حسن الرأي أن نضع بين أيديهم كتبا بهيجة المنظر بديعة الرواء؛ ليقبلوا عليها، و ينتفعوا بما فيها من علم.
و ثالثتها: أن أثبت لهؤلاء الذين ينتقصون من قدر آبائنا و ينالون منهم أن لأولئك الآباء من المجد و المنزلة ما يفاخر به الأبناء، و ليس يضير الغادة الهيفاء ضنانة أهلها و بخلهم و لؤم أنفسهم، و لا يغض من جمالها أن تظهر في أطمار مهلهلة، و لكن على من تكون من نصيبه أن ينفض عنها غبار الإهمال و يجلوها في فاخر الديباج، ليظهر له بديع ما أودعها اللّه من فتنة و جمال.
و رابعتها: أن أنفي عن نفسي تهمة التقصير في وقت نحن أحوج ما نكون إلى