شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٧١
[الثاني من المعارف: العلم]
ثم قلت: الثاني العلم، و هو شخصيّ إن عيّن مسمّاه مطلقا كزيد، و جنسيّ إن دلّ بذاته على ذي الماهيّة تارة و على الحاضر أخرى كأسامة.
و من العلم الكنية، و اللّقب، و يؤخّر عن الاسم تابعا له مطلقا، أو مخفوضا بإضافته إن أفردا.
و أقول: الثاني من أنواع المعارف: العلم، و هو نوعان: علم شخص، و علم جنس.
فعلم الشخص عبارة عن «اسم يعيّن مسمّاه تعيينا مطلقا» أي بغير قيد.
فقولنا «اسم» جنس يشمل المعارف و النكرات، و قولنا «يعين مسماه» فصل مخرج للنكرات؛ لأنها لا تعين مسماها، بخلاف المعارف فإنها كلها تعين مسماها، أعني أنها تبين حقيقته و تجعله كأنه مشاهد حاضر للعيان، و قولنا «بغير قيد» مخرج لما عدا العلم من المعارف؛ فإنها إنما تعين مسمّاها بقيد، كقولك «الرّجل»؛ فإنه يعين مسماه بقيد الألف و اللام، و كقولك «غلامي»؛ فإنه يعين مسماه بقيد الإضافة، بخلاف العلم فإنه يعين مسماه بغير قيد، و لذلك لا يختلف التعبير عن الشخص المسمّى زيدا بحضور و لا غيبة، بخلاف التعبير عنه بأنت و هو، و عبرت في المقدمة عن الاسم بقولي «إن عيّن مسماه» و عن نفي القيد بقولي «مطلقا» قصدا للاختصار.
و علم الجنس عبارة عما دلّ ... إلى آخره، و بيان ذلك أنّ قولك «أسامة أشجع من ثعالة» في قوة قولك «الأسد أشجع من الثّعلب» و الألف و اللام في هذا المثال لتعريف الجنس، و أن قولك «هذا أسامة مقبلا» في قوة قولك «هذا الأسد مقبلا» و الألف و اللام في ذلك لتعريف الحضور، و بقولي «بذاته» من الأسد و الثعلب في المثال و هذا التقديم شاذ عند جمهرة النحاة، و ذهب ابن جني و جماعة إلى أنه سائغ لا شذوذ فيه و وجهه عندهم أنه قد كثر في لسان العرب تقديم المفعول على الفاعل وحده تارة نحو وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ و على الفاعل و الفعل جميعا تارة أخرى، نحو قوله تعالى: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ، فلما كثر ذلك ظن أن للمفعول رتبتين؛ إحداهما التأخر، و الثانية التقدم، فإذا عاد عليه و هو متأخر لفظا ضمير متصل بالفاعل المتقدم، فكأنه متأخر لفظا متقدم رتبة، فاعرف ذلك.