شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٧
جعل الجميع يشيدون بفضله و يعترفون بنبله، و يرجعونه إلى عمادة تلك الكلية التي أرسى فيها قواعد العدل، و التي هيأ فيها للجميع حياة مستقرة، و التي أمكنه بفضل تفتح ذهنه أن يوجد فيها الأقسام المختلفة؛ لتتمكن تلك الكلية من متابعة الدرس و من السير في الدراسة اللغوية و الأدبية، فأنشأ فيها قسما لأصول اللغة كان هو النواة الأولى فيها و المرجع الأوفى فيها» [١].
«إن أستاذنا الجليل و والدنا الراحل كرّس حياته معتزّا بكرامته، معتزّا بفضله، معتزّا بعلمه، لم يتمكن أحد من أن ينال منه إطلاقا؛ عرضت عليه المناصب، و قيل إنه يطلب منك أن تقابل بعض المسؤولين، فأبت عليه عزة نفسه أن يخضع لتلك الرغبة قائلا أمامنا جميعا، و اللّه يشهد على ما أقول أنني صادق فيه: «إن المنصب إذا كانت الدولة تعترف أنني أهل له فلتسنده إليّ، و إن لم تكن معترفة بي فلا حاجة بي إلى مقابلة أي مسؤول مطلقا» لم يقلها رحمه اللّه غرورا و تأبيا، بل حفاظا على كرامة العلماء، و على كرامة الرجال الذين أثبتوا في شتى العهود السابقة أن رجال الأزهر يجب أن يثبتوا للملأ أن الأخلاق الفاضلة، و أن الرجولة الحقة هي التي يجب أن تسيطر عليهم، و ألا تغرهم المناصب، و ألا يبعدهم زهو الحياة و بريق المال إلى الانحراف عن الجادة القويمة التي سار عليها أستاذنا، و التي دربنا عليها تدريبا قويّا» [٢].
و لئن أمكنك- بعد هذا التجوال السريع في دروب حياته و بين معالمها- أن تضع يدك على بعض مواطن النبوغ العلمي و العملي؛ فحري بك أن تجمع إليها قطوفا من أمارات الشموخ و الإباء، و يأتي في مقدمتها موقفه من اعتلاء المناصب الكبرى مثل مشيخة الأزهر، و التي كان في مقدمة المرشحين لتوليها المرة تلو المرة تلو المرة، و كذا في ترشيحه لنيل جائزة الدولة في الآداب المرة بعد المرة، و أضف لذلك- إن شئت- تلك العروض التي تلقاها لرئاسة جامعات عربية و إسلامية، و حالت ظروفه الصحية دون قبولها، و إن كان أهل الأزهر- آنذاك- يجمعون على أنه أجدر من يتولى المنصب، فقد كان اعتلاء المناصب يقتضي التحلي بشيم ليست بينها الأهلية
(١ و ٢) من كلمة الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد نجا في حفل مجمع اللغة العربية السابق.