شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب - ابن هشام الأنصاري - الصفحة ١٤
(سيدي الوالد:
إلى نفسك الطاهرة، و حكمتك العالية، و أدبك الجمّ، و فضلك الغزير، أقدّم كتابي هذا، لقد ربيتني على الفضيلة، و حببت إليّ العمل، و زهدتني في الدعة و الونى، و عند اللّه في ذلك جزاؤك، فليس بيدي شيء منه، و لا في استطاعتي أن أناله، و لو رقيت أسباب السماء، و لكني أتقدم إليك بكتابي هذا برهانا على أنك غرست فأثمرت، و بذرت فأنميت، و دليلا على أن غراسك سيزداد نموّا بمر الأيام إلى أن يؤتي أكله مرتين بإذن اللّه)، و الحق أن الغراس قد آتى أكله مرات عدة، فإن ما أخرجه الأستاذ من الكتب العلمية تأليفا و تحقيقا ليعجز القرناء، حتى ليأتوا خلفه تابعين» [١].
«تتلمذ الأستاذ محمد محيي عبد الحميد على جيل الرواد الإسلاميين الكبار الذين ازدانت بهم الحياة المصرية في أوائل القرن العشرين، و كانوا دعامة النهضة العربية و الأدبية و الوطنية في العالم العربي كافة، و مضى على تخرجه في الأزهر الشريف- يحمل شهادة العالمية أعلى شهاداته العلمية آنذاك- نحو نصف قرن من الزمان، و كان نجاحه بل تفوقه يومئذ مثار الدهشة، فقد جاء الأول على فحول أقرانه من العلماء» [٢].
«و اختير مدرسا بالجامع الأزهر، و ظهر من دلائل فضله العلمي ما أعدّه بعد خمس سنوات فحسب، لأن يكون مدرسا بكلية اللغة العربية سنة ١٩٣١ م، إذ أصدر عدة أجزاء من شرح خزانة الأدب للبغدادي، جاءت خالية من التحريف، و حافلة بالضبط و التعليق، فأذاعت علمه كما أذاعه تلاميذه الذين نهلوا من حياضه، و أساتذته من المفتشين الذين شهدوا بنبوغه و تحدثوا عنه مكبرين، و قد كان أصغر أعضاء هيئة التدريس بالكلية سنّا، و لكن مقامه العلمي دفعه إلى الصدارة، فاختير سنة ١٩٣٥ م للتدريس بتخصص المادة لطلبة الدراسات العليا، و زامل الكبار من أساتذته مزاملة خصبة مثمرة فاعترفوا بفضله، و سمعه الإمام المراغيّ في زيارته المتعاقبة للكلية
[١] من كتاب «النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين» للدكتور إبراهيم رجب البيومي، عميد كلية اللغة العربية بالمنصورة.
[٢] من قرار جامعة الأزهر بترشيحه لنيل جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة ١٩٧١ م.