التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٣ - الولاية الشرعية
وهكذا زعم البعض ان الاسلام دين الاستبداد والحكم التيوقراطي، وفرض طائفة من الناس على الاخرين. كلا الاسلام دين التحرر، دين رفض الطغيان، دين رفض الحتميات، دين الارادة الحرة والمسؤولية التامة.
والجماهير هم المسؤولون عن الحكم الذي يتولاهم، فان هم قصروا فقد ظلموا انفسهم، وان هم خضعوا للظلم ولم يثوروا ضد المتسلطين عليهم فقد خانوا امانة الله، ونكثوا عهد الله معهم الا يعبدوا غيره سبحانه.
والشاهد من القرآن على هذه الحقيقة قول الله سبحانه: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما اولئك بالمؤمنين، انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء. فلا تخشوا الناس واخشون، ولاتشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ومن لم يحكم بما انزل الله، فاولئك هم الكافرون). [١]
دعنا نتدبر في كلمات الله هذه ..
أولا: التوراة التي انزلها الله، هي محور الحكومة، لان فيها حكم الله، ومن يتولى عنها فليس بمؤمن.
ثانيا: النبيون يحكمون الناس بالتوراة التي فيها هدى ونور لانهم- عليهم السلام- اسلموا لله، فملاك حكومتهم امران: الفقه بالتوراة والعدالة بالتسليم التام لله.
ثالثا: الربانيون (وهم العلماء المقربون لرب العالمين)، والاحبار (وهم العلماء العدول)، يحكمون الذين هادوا من اهل الكتاب لما فيهم من خصال:
الف: بما استحفظوا من كتاب الله، وتفقهوا في دينه وبقدر فقههم وحفظهم لكتاب الله تكون سعة حكومتهم لامطلقا.
باء: وبما كانوا على كتاب الله شهداء. فطبقوه على انفسهم وراقبوا تطبيقه على المجتمع، فكلما كانت شهادتهم اكبر، كلما كانت حكومتهم آكد.
جيم: وبما لديهم من خشية الله لاخشية الناس، فاذا خضعوا لطغيان الارهاب سقطت ولايتهم قال الله: (فلا تخشوا الناس واخشون).
دال: وبما لديهم من الزهد في زخرف الدينا، وعدم الانهيار امام ترغيب الاثرياء، قال الله سبحانه: (ولاتشتروا بآياتي ثمنا قليلا).
[١] - سورة المائدة ٤٣/ ٤٤