التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٥ - غرباء عن انفسهم
وقد ذكر الوحي بهذه البصائر المرة بعد الاخرى وردع الانسان عن اتباع الآباء، كما عن الافتراء على الله والقول كذبا بأنه حرم هذا وذاك بغير سلطان مبين.
فلما حرمت الجاهلية العربية، قبل الاسلام، كثيرا من الطيبات، نزل القرآن ليبين ان الله لم يحرمها فقال الله سبحانه:
(ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب واكثرهم لايعقلون). [١]
اما اليهود فقد حرموا على انفسهم كثيرا من الطيبات فردعهم الله عن ذلك قائلا:
(كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل الا ماحرم اسرائيل على نفسه من قبل ان تنزل التوارة قل فاتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين) [٢] وقد افرط النصارى في ذلك عندما ابتدعوا رهبانية وحرموا على انفسهم بها مجمل الطيبات فنزل الوحي منددا بهم وقائلا:
(ثم قفينا على اثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الانجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين امنوا منهم اجرهم وكثير منهم فاسقون). [٣]
بلى، بسبب نقص حاد في الاحساس بالذات والمواهب الالهية التي منحها الرب.
ينكفأ الانسان الجاهلي على نفسه، ويتقوقع كآلية دفاعية عنها امام مشاكل الحياة، انه يهرب الى داخل ذاته، ويدس عقله في الاحلام والتمنيات، كالذي يغض طرفه امام النور. وهذا الانكفاء يجعله يحد من تطلعاته، ويقتل حتى حاجاته الفطرية، ويجعل كل شئ على نفسه حراما لا زهدا فيها بل عجزا عن تحصيلها اوكسلا، في ذلك يقول الدكتور مصطفى الحجازي:
(يحد الانسان المقهور من طموحاته- اذا- وذلك بان يتقبل مصيره، اويحاول ايهام
[١] - المائدة/ ١٠٣
[٢] - ال عمران/ ٩٣
[٣] - حديد/ ٢٧