التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٥ - اقسام السنة
وآيات القرآن تحفل ببيان قصص الرسول في قيادة الناس، والقائد التابع لوحي الله سبحانه يطبق حقائق الشريعة العامة على القضايا المتجددة، وهذا التطبيق يلقي ضوء على تلك الحقائق فيزيدها بيانا لانه يصبح بمثابة الامثلة عليها، لقد انشأ الرسول الاعظم- صلى الله عليه وآله- تجمعا اسلاميا في مكة، ومجتمعا اسلاميا في المدينة، لم يلبث ان تحول الى مدنية شامخة، وكان ما انشأه مثلا لما دعا اليه، وتطبيقا عمليا للرسالة التي بشر بها وكل بعد منه، وكل فرع من فروعه، كان تفسيرا للوحي في حدود الزمان والمكان، ومنهجا لتطبيق القيم السامية، والاصول العامة على الموارد الفرعية ..
من هنا كان التأويل وسيلة من وسائل تفسير الوحي، وكان على بعض المسلمين ان ينفروا مع رسول الله في غزواته، ليتعلموا منه معالم الشريعة، ويتفقهوا في الدين لان الرسول كان يطبق حقائق الوحي عمليا على الظروف المتغيرة، مما كان يعلم الناس منهج تطبيق سائر الحقائق على الظروف المختلفة، وكان مثل ذلك، مثل الطيبب الذي يتخرج من كلية الطب، فيجب ان يعمل في مستشفى تحت اشراف طبيب، ليتعرف كيف يطبق النظريات على الواقع العملي.
من هنا قال الله سبحانه:
(وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون). [١]
وعند هذه النقطة يلتقي التأويل والتفسير ولكنهما يتميزان في نقطة اخرى، اذ ان التفسير يجعل الحقيقة العامة واضحة مما يفرض اتباعها.
وكذلك اتباع تفسيرها، وكذلك التأويل يجعل الحقيقة العامة واضحة ولكن لايجب اتباعه حرفيا، لانه مجرد مثل للحقيقة، فاذا حارب الرسول بالسيف فانه يدلنا على ضرورة مقارعة
العدو مباشرة وبلا هوادة تفسيرا لقول الله سبحانه: (كتب عليكم القتال) ولكنه لايدل على ضرورة ان تكون المقارعة بالسيف فقد تكون بالرصاص.
وهذا التطبيق العملي يسمى في اللغة بالفتيا.
فالفتيا هي بيان حكم قضية معينة، ضمن دائرة الواقع استنادا الى حقيقة كلية،
[١] - سورة التوبة/ ١٢٢