آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٥٦ - سورة الفاتحة(١) آية ٥
الكشاف الجزاء و استشهدوا لذلك بقولهم كما تدين تدان و بيت الحماسة المنسوب لشهل بن ربيعة
صفحنا عن بني ذهل
و قلنا القوم اخوان
عسى الأيام ان ير
جعن قوما كالذي كانوا
و لما صرح الشر
و أمسى و هو عريان
و لم يبق سوى العدوا
ن دناهم كما دانوا
على معنى كما تجازي غيرك إذا أساء فإنك تجازى أيضا إذا أسأت و إنا جازينا بني ذهل على عدوانهم كما جازوا غيرنا فإن ظاهر الشعر ان قوم شهل كانوا قد صفحوا عن بني ذهل و لم يسبق منهم ما يكون به اعتداء بني ذهل عليهم مجازاة و لعل من معنى الدين المذكور في قول الأعشى «هودان الرباب أذكر هو الدين دراكا بغزوة و صيال» و لعل من هذا الباب الديان من اسماء اللّه له الأسماء الحسنى و ديان يوم الدين و قول الأعشى مخاطبا لرسول اللّه (ص) «يا سيد الناس و ديان العرب» و الحديث كما ذكره في النهاية كان على ديان هذه الأمة.
و الأمر في تفسير الدين في الآية سهل فإنه يتراوح بين هذه المعاني و ما يقرب منها.
و لا غرو إذا تشابهت علينا هاهنا حقيقة معنى الدين بحدودها بواسطة التوسع في الاستعمال.
و لا ينبغي أن يخفى أن قوله عزّ و جلرَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. هو بمنزلة الحجة على ان الحمد له جلت آلاؤه و بمنزلة الحجة على انحصار العبادة و الاستعانة به في قوله جلت عظمته إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و هل يعبد أو يستعان به بما هو رب العالمين غير رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. و هل يصح في الشعور ان يرغب عن عبادته أولا تغتنم الاستعانة به.
[سورة الفاتحة (١): آية ٥]
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)
و قد كررت كلمة (إياك) لوجهين الأول للتصريح و النص على انحصار كل من العبادة و الاستعانة به. و لو قيل إياك نعبد و نستعين لأوهمت صورة اللفظ ان المنحصر هو مجموع الأمرين من العبادة و الاستعانة لا كل واحد منهما و الثاني لأن الحصر فيهما مختلف فإنه بالنسبة للعبادة حصر لجميع أفرادها و بالنسبة للاستعانة حصر باعتبار بعض افرادها كما سيأتي إن شاء اللّه. و هذا الأسلوب في الآية الكريمة من قسم الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. و الالتفات في كلام العرب و شعرهم كثير و هم يعدونه من محاسن الكلام و مزاياه في البلاغة و هو متفاوت في الحسن و لكنه مهما بلغ فإنه لا يكاد ان يبلغ ما بلغه هذا الالتفات من الحسن الباهر و الجودة الفائقة و أعلى درجات البلاغة. فإنه يمثل العبد شاخص البصر إلى جلال مولاه و متوجها إلى حضرته بالاعتراف بأنه لا معبود سواه و لا مستعان إلا هو و متضرعا بخطاب العبودية و المسكنة و مناجاة الرهبة و الرغبة خاضعا لربوبيته مادّا الى رحمته يد الانقطاع في المسألة و الاستعانة